أندرو بوزدر
في عام 2018، بدأت الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية على الواردات من الصلب والألمنيوم بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة، بهدف الحفاظ على قاعدة صناعية محلية قوية، باعتبار ذلك ضرورة للأمن القومي.
ومنذ ذلك الحين، وسّعت الولايات المتحدة هذه الرسوم لتشمل منتجات «مشتقة»؛ مثل الآلات والمعدات والمثبتات والمكونات الإنشائية التي تحتوي على الصلب أو الألمنيوم.
وقد أدان الاتحاد الأوروبي هذه الإجراءات باعتبارها انتهاكاً لاتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وطالب بإلغائها بحلول نهاية العام.
رغم ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي فرض رسوم حدودية على العديد من السلع نفسها من خلال «آلية تعديل الكربون على الحدود» (CBAM). ويسمي الاتحاد الأوروبي هذه الآلية إجراء مناخياً، لكن التعرفة تظل تعرفة، حتى لو حملت اسماً مختلفاً.
واحتجاج الاتحاد الأوروبي على إجراءات الأمن القومي الأمريكية، بينما يقيم حواجز حمائية خاصة به، يكشف عن ازدواجية صارخة في المعايير.
فإذا كان الاتحاد الأوروبي يعترض على تعديل الولايات المتحدة لسياساتها بما يتناسب مع أولوياتها المحلية، فلا يمكنه الدفاع بشكل مقنع عن إجراءاته المشابهة، خصوصاً في الوقت الذي يتهم فيه الولايات المتحدة بخرق اتفاق ثنائي بينما يعمل هو نفسه على تقويضه.
النهج الأمريكي مباشر وشفاف. إذ أخضع الصلب الأولي لتعرفة قدرها 25 %، وأخضع الألمنيوم لرسوم مماثلة. ولمنع التحايل عبر المنتجات النهائية، تمتد الرسوم إلى المنتجات المشتقة.
ويحمي هذا الإجراء المنتجين الأمريكيين من موجات الواردات الناجمة عن فائض الطاقة الإنتاجية المدعوم من الحكومات، خاصة من الصين. وهي التشوهات نفسها في السوق التي دفعت الاتحاد الأوروبي إلى فرض تعرفة بنسبة 50 % على واردات الصلب.
وتختلف آلية تعديل الكربون على الحدود في شكلها، لكنها لا تختلف في جوهرها. إذ يجب على مستوردي الحديد والصلب والألمنيوم والمنتجات ذات الصلة الإبلاغ عن حجم الانبعاثات، وتسليم شهادات آلية تعديل الكربون على الحدود.
ويتم تسعير هذه الشهادات وفق سعر الكربون في الاتحاد الأوروبي، الذي يبلغ حاليا نحو 80 يورو للطن من ثاني أكسيد الكربون، مع إمكانية لوجود خصومات، إذا كان هناك سعر للكربون في الدولة المصدرة، وهو أمر غير موجود في الولايات المتحدة.
ويعد الصلب والألمنيوم من أكثر المواد إنتاجاً لانبعاثات الكربون، لذلك تضيف آلية تعديل الكربون على الحدود تكلفة كبيرة إلى المنتجات المستوردة.
ورغم أنها تستهدف منتجات محددة وليس كل المنتجات النهائية، إلا أن نطاقها يشمل الأشكال الأولية والسلع شبه المصنعة والصفائح والقضبان والأشكال الإنشائية، وهي المكونات الأساسية للعديد من المنتجات المشتقة.
وفي جوهر الأمر، تمثل السياستان إجراءين لحماية المنتجين المحليين من المنافسة غير العادلة، سواء كانت ناجمة عن ضعف القواعد البيئية أو عن فائض الطاقة الإنتاجية المدعوم.
تعرفات المادة 232 الأمريكية تستهدف فائض الطاقة الإنتاجية في الخارج الذي يهدد بتقويض قطاع المعادن الأمريكي، بينما صممت آلية تعديل الكربون على الحدود لمكافحة ما يعرف بـ«تسرب الكربون»، أي انتقال الإنتاج إلى دول تطبق معايير مناخية أقل صرامة.
وتحمي هذه الآلية الشركات الأوروبية من نظام الانبعاثات الخاص بالاتحاد الأوروبي، الذي يفرض أعباء كربونية كبيرة على الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة مثل الصلب والألمنيوم. وفي الحالتين، تؤدي الإجراءات إلى رفع تكلفة الواردات لحماية الإنتاج المحلي.
والتشابه بين السياستين واضح. فشحنة من الآلات تحتوي على الصلب تواجه رسوماً أمريكية إضافية تحتسب بناء على محتوى المعادن فيها. وفي الاتحاد الأوروبي، تواجه السلع نفسها رسوماً تحتسب بناء على انبعاثات الكربون.
إحداهما يتم تقديمها باعتبارها سياسة أمنية، والأخرى باعتبارها سياسة مناخية. لكن كلتيهما ترفعان سعر الواردات المستهدفة مقارنة بالبدائل المحلية.ويرى مسؤولون أوروبيون أن توسيع الرسوم الأمريكية على المنتجات المشتقة ينتهك سقف الـ15 %.
وهو ما يبرر، من وجهة نظرهم، التهديد بسحب بعض التنازلات الجمركية التي نصت عليها الاتفاقية. لكن الاتحاد الأوروبي يضيف في الوقت نفسه آلية تعديل الكربون على الحدود فوق القواعد القائمة.
ولزيادة المفارقة، بينما خفضت الولايات المتحدة، بحسن نية، عدد المنتجات المشتقة الخاضعة لتعرفات المادة 232 بشكل كبير، يخطط الاتحاد الأوروبي لتوسيع نطاق المنتجات المشمولة بآلية تعديل الكربون على الحدود. ولا شك في أن آلية تعديل الكربون على الحدود تحمي المنتجين الأوروبيين.
الاتحاد الأوروبي يقدم نفسه باعتباره مدافعاً عن التجارة القائمة على القواعد في مواجهة الحمائية الفجة. لكن مهاجمة الولايات المتحدة بدعوى انتهاكها الاتفاقية، في الوقت الذي يمضي فيه الاتحاد قدماً في تطبيق آلية تعديل الكربون على الحدود، تقوض مصداقيته.