جوناثان جوثري

هل أنت من «مليارديرات الوقت»؟ كي تستحق هذا الوصف، يجب أن يتجاوز مجموع متوسط العمر المتوقع لك مليار ثانية على الأقل. وعند بلوغ البريطاني العادي نحو 50 عاماً، يفقد عادة هذه الصفة. أما الشخص البالغ من العمر 16 عاماً، فلا يزال أمامه أكثر من ملياري ثانية ينفقها.

نحن ندين بفكرة «مليارديرات الوقت» إلى جراهام دنكان، الشريك المؤسس لشركة «إيست روك كابيتال» الأمريكية للاستثمار. وقد ابتكر هذا المصطلح رداً على هوس وسائل الإعلام بمليارديرات الدولار. ويقول إنه أراد «تغيير زاوية التي ينظر بها الشباب إلى ذواتهم».

والفكرة منطقية للغاية. فالوقت أصل ثمين، يحظى الشباب منه بوفرة كبيرة. لكنه لا يمنحهم سوى قدر ضئيل من التقدير في عالم مهووس بالأصول المادية، خاصة المال. بدلاً من ذلك، غالباً ما ينظر كبار السن المتشددون إلى الشباب باعتبارهم يفتقرون إلى أشياء عدة: الدافع، والمؤهلات، والخبرة، والمال.

ورأى دنكان هو أنه من الأفضل النظر إلى الشباب باعتبارهم يمتلكون ميزانيات هائلة من الفرص. وانطلاقاً من ذلك، رسمت مخططاً يحسب متوسط العمر المتوقع بالثواني، وهي وحدة تمنحنا مجالاً أوسع من حسابه بالسنوات.

والبدء بالاستثمار في سن مبكرة له مزايا كثيرة، حتى لو كانت الاستثمارات في البداية صغيرة بالضرورة. والسبب الأول هو أن عوائد سوق الأسهم تتذبذب من عام إلى آخر، لكنها تحقق مكاسب مستقرة تتجاوز التضخم على مدى فترات طويلة.

أما السبب الثاني فهو أن العوائد تتراكم وتتضخم كلما تركتها فترة أطول لتحقق بدورها مزيداً من العوائد. وبعد عشر سنوات، تمثل العوائد المركبة المتراكمة بمعدل محافظ يبلغ 5% سنوياً نحو خمسي قيمة الاستثمار فقط. وبعد 20 عاماً، تشكل العوائد المركبة ما يقرب من ثلثي الزيادة في القيمة الإجمالية. وبعد 30 عاماً، تمثل ثلاثة أرباع الصندوق الاستثماري الأكبر بكثير.

وفي الشهر الماضي، ألقى لوك تمبلمن وجالينا بوزدنياكوفا من معهد «دويتشه بنك» للأبحاث نظرة ذكية على الطريقة التي ينظر بها المستثمرون الأصغر سناً إلى فرصهم الممتدة لكسب المال. وكان عنوان تقريرهما «مليارديرات الوقت يريدون مزيداً من المخاطرة»، في إشارة إلى الإطار الفكري الذي وضعه دنكان.

وأظهر مسح خاص أجراه «دويتشه بنك» أن المستثمرين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً يتوقون إلى تحقيق عوائد أعلى. وتتراجع الرغبة في المخاطرة مع التقدم في العمر. كما أنها أقل لدى البريطانيين منها لدى الأمريكيين.

وبقدر كبير من التعميم، أقول إن الأمريكيين يتوقعون أن يحمل المستقبل مزيداً من الفرص، بينما أميل أنا، مثل كثير من البريطانيين، إلى الخوف من أن يمثل المستقبل تهديداً لرفاهيتنا.

أما ميل المستثمرين الأصغر سناً إلى المخاطرة، فهو منطقي، بصورة عامة، بالنظر إلى قدرة الاستثمار على مدار عقود على الحد من التقلبات والاستفادة من أثر العوائد المركبة.

وتساءل الباحثان عما إذا كان الذكاء الاصطناعي يعزز هذا الميل الطبيعي. فالمستثمرون يتجهون حتماً إلى الذكاء الاصطناعي طلباً للمساعدة في توزيع الأصول، واختيار الصناديق، ووضع نماذج للسيناريوهات. ويشير التقرير إلى أنه «حتى لو كانت النتائج غير مثالية، فإن التفاعل معها يمكن أن يخلق شعورا باليسر والتمكن».

لكن المشكلة في الحصول على نصائح استثمارية من روبوتات المحادثة هي أنك «تحصل على نتائج مختلفة جداً تبعاً للنبرة التي تستخدمها»، بحسب تمبلمن.

وقد تحققت من ذلك باستخدام «كوبايلوت»، الذي يظهر عادة في حياتي العملية في دور مساعد أبحاث حسن النية، لكنه يبدو أحياناً فاقداً للوعي قليلاً. وعندما أتحقق من المعلومات التي يعثر عليها، يتبين أن نسبة كبيرة منها غير ذات صلة أو مختلقة. وعندها يعتذر روبوت المحادثة بطريقة تشبه قول شخص: «حسناً، آسف».

وقد أيد «كوبايلوت» بحماس خطتي لاستثمار ربع مدخرات حياتي في عملة «البيتكوين»، واصفاً الإجراء بأنه «يدخل في نطاق استراتيجية عقلانية عالية المخاطر»، ولم يتطلب الأمر سوى محاولتين من الضغط الشديد لتتراجع البرمجية عن رفضها الأولي الواضح.

صحيح أن «دويتشه بنك» سأل المشاركين في الاستطلاع عما إذا كانوا يرجح أن يلجؤوا إلى «حل تديره تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي» لإدارة استثماراتهم. وبالنسبة إلي، يوحي ذلك بوجود ضوابط يفرضها مشرفون بشريون على منظومة الإنسان والآلة.

وفي ظل هذه الضوابط، قال نحو 80% من الأمريكيين و60% من البريطانيين الذين تقل أعمارهم عن 35 عاماً إنه «مرجح جداً» أو «مرجح إلى حد ما» أن يعهدوا بمدخراتهم إلى الذكاء الاصطناعي.

وبالطبع، لن يكلف بعض هؤلاء أنفسهم عناء دفع المال مقابل حل متخصص تديره تقنيات الذكاء الاصطناعي ومزود بوسائل أمان مدمجة. بل سيلجؤون إلى أي وكيل ذكاء اصطناعي عام يكون متاحاً لهم بسهولة أكبر. وستكون تعليماته غامضة ومليئة بجميع الانحيازات المعرفية التي يقع المستثمرون الأفراد أمثالنا فريسة لها.

إن الذكاء الاصطناعي ليس سوى أداة، وتعتمد سلامته على دراية المستخدم وحسن تدريبه؛ فالصانع الماهر يستخدم المنشار الكهربائي لصنع أثاث فاخر، بينما يتسبب الجاهل به في قطع أصابعه.

وهذه التحديات هي بالضبط ما تحاول الهيئات التنظيمية المالية التعامل معه اليوم. أما بالنسبة إلى «مليارديرات الوقت»، فأنا أدرك أن المفهوم قد يثير قلق القراء الأكبر سناً الذين، مثلي، الذين يعملون الآن وفق ميزانيات زمنية لا تتجاوز بضعة ملايين من الثواني.

لكن يمكننا أن نجد بعض العزاء في مفهوم آخر ابتكره جراهام دنكان، وهو تقسيم الوقت إلى فئتين: «الوقت الضيق» و«الوقت الواسع». فالأول ينطوي على الأرجح على واجبات مزعجة، بينما يتم قضاء الثاني في أنشطة تعزز جودة الحياة. ويتيح التقاعد النشط لنا تعظيم وقتنا الواسع وتقليل الوقت الضيق. وفي هذا بعض العزاء عن فقدان صفة «ملياردير الوقت».