جون ثورنهيل
ماذا سيحدث للبشرية إذا نجحنا في ابتكار ذكاء إلكتروني يفوقنا ذكاءً؟ حضرت أخيراً فعاليتين شيقتين، وإن كانتا مثيرتين للقلق، ناقشتا مستقبلنا في عالم ما بعد الإنسان، وشارك فيهما عشرات الباحثين والأكاديميين والفلاسفة المتخصصين في الذكاء الاصطناعي، في محاولة لاستشراف الشكل الذي قد يتخذه هذا المستقبل.
وتنطلق هذه النقاشات من افتراض أساسي مفاده أننا سنصل خلال بضع سنوات إلى الذكاء الاصطناعي العام، حيث تتمكن التكنولوجيا من مجاراة البشر في جميع المهام المعرفية.
يرى دانيال فاجيلا، الباحث في الذكاء الاصطناعي الذي استضاف النقاشين، أنه عند بلوغ هذه المرحلة، ينبغي أن يكون هدف البشرية هو ضمان ابتكار خليفة جدير بها: «ذكاء ما بعد بشري يتمتع بقدرات وكفاءة وقيمة أخلاقية، إلى درجة تجعلك تفضل، عن طيب خاطر، أن يتولى هو، وليس البشر، تحديد المسار المستقبلي للحياة نفسها».
وأصبح هذا النوع من الطرح أكثر شيوعاً داخل الأوساط التقنية، مع ازدياد ثقة قادة الصناعة في إمكانية تحقيق الذكاء الاصطناعي العام ومواعيد الوصول إليه.
ووفقاً لهذا التصور، فإن بلوغ الذكاء الاصطناعي العام سيمكن الآلات من ابتكار آلات أكثر ذكاءً منها، ما يقود إلى ظهور ذكاء فائق يتجاوز القدرات البشرية بدرجة أكبر، أي ذكاء ما بعد بشري أكثر قوة.
وفي الوقت الذي تتسارع فيه هذه النقاشات حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، يكافح الجمهور لمواكبة الوتيرة السريعة للتغيير والتعامل مع التأثير المتزايد لهذه التكنولوجيا في حياتهم.
وفي الأسبوع الماضي، قال السير ديميس هاسابيس، الشريك المؤسس لمختبر أبحاث الذكاء الاصطناعي «جوجل ديب مايند»: إننا وصلنا إلى «لحظة مفصلية في تاريخ البشرية». وكتب في مذكرة إلى موظفيه، شرح فيها قراره الانتقال إلى منصب رئيس مجلس الإدارة والتركيز على هذه المهمة:
«لقد كرست حياتي كلها للعمل للوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، والآن، مثل كثيرين منكم، أشعر أنه أصبح قريباً». وأضاف أن إدارة الذكاء الاصطناعي العام بصورة جيدة ستفتح الباب أمام «عصر جديد مذهل من الاكتشافات والدهشة».
وفي يوليو الماضي، توقع إيلون ماسك، الذي يدير شركة نماذج الذكاء الاصطناعي «إكس إيه آي» إلى جانب العديد من شركاته ومشروعاته الأخرى، أن يتجاوز الذكاء الاصطناعي مجموع القدرات العقلية للبشر خلال نحو خمس سنوات، ما سيقود إلى عصر من «الوفرة المذهلة».
لكنه لم يتراجع عن توقعه السابق بأن هناك احتمالاً يتراوح بين 10 و20 في المئة لأن يشكل ذكاء فائق، في صورة «روبوتات قاتلة»، خطراً وجودياً على البشرية.
ورغم محاولاته السابقة لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي بسبب هذه المخاطر، يبدو أنه خلص الآن إلى أن محاولة إبطائه باتت بلا جدوى. وقال لمجلة «ذي إيكونوميست»: «يبدو ببساطة أن جميع الطرق تؤدي إلى تسريع الذكاء الاصطناعي. فلنستمتع بالرحلة».
ويثير هذا الشعور بالحتمية القدرية تجاه تطور الذكاء الاصطناعي ما يشبه اليأس لدى كثير من الباحثين الآخرين، ويبدو أنه بدأ ينتشر بصورة متزايدة بين عامة الناس أيضاً.
فشركات التكنولوجيا تتخذ قرارات مصيرية بشأن مستقبلنا الجماعي استناداً إلى روايات وتصورات افتراضية، من دون أي تفويض اجتماعي من نوع ما.
وليس تصاعد موجة الرفض الشعبي لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي سوى نتيجة طبيعية لفشلها في التعامل مع المخاوف الراهنة للناس بشأن تأثير هذه التكنولوجيا، سواء على وظائفهم أم على البيئة.
وفي العام الماضي، نشر معهد «إيه آي ناو»، وهو معهد بحثي مستقل، نقداً لاذعاً للأسطورة التي تشكلت حول الذكاء الاصطناعي العام. وقال المعهد: إن المصطلح تم تعريفه بصورة فضفاضة إلى درجة جعلته يكاد يخلو من المعنى.
كما أشار إلى أن غالبية باحثي الذكاء الاصطناعي لا يعتقدون أن الهوس الحالي بتوسيع نطاق نماذج اللغة الكبيرة، مثل «تشات جي بي تي» و«كلود»، سيقود في نهاية المطاف إلى الذكاء الاصطناعي العام.
ويرى الباحثون أن كثيراً من الضجة المحيطة بوعود الذكاء الاصطناعي العام ومخاطره على حد سواء ليست سوى حيلة تسويقية ساخرة تهدف إلى مساعدة شركات التكنولوجيا على جمع مليارات الدولارات من التمويل.
ولا شك في أن معهد «إيه آي ناو» محق في أن السماح لقادة مختبرات الذكاء الاصطناعي بالهيمنة على النقاش بشأن مستقبل هذه التكنولوجيا يؤدي إلى تهميش خبراء ينتمون إلى تخصصات أخرى، رغم امتلاكهم رؤى لا غنى عنها بشأن أفضل السبل لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العالم الحقيقي.
وخلص المعهد إلى أن «رفع الذكاء الاصطناعي العام فوق المسارات الأخرى لحل المشكلات الصعبة ليس أكثر تطرفاً من النزعة إلى اعتبار التكنولوجيا حلاً لمختلف المشكلات».
ومن الطبيعي أن يقترح مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، في أحدث مقالاته حول الذكاء الاصطناعي، الذي نشره هذا الأسبوع، حلاً تقنياً للحلولية التقنية. رغم ذلك، وحتى إذا كان طرحه جزئياً وينطوي على قدر من المصلحة الذاتية، فقد لا يكون مخطئاً تماماً.
ويرى زوكربيرغ أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنح الأفراد قدرات تكنولوجية هائلة تشبه «الذكاء الفائق الشخصي». وكتب: «الطريقة الوحيدة لضمان الالتزام بالقيم الإنسانية هي منح الناس مزيداً من القوة».
لكن قوة الناس، رغم أهميتها، لا يمكن أن تقتصر على استخدام الأدوات التقنية المتطورة. بل يجب أن تمتد إلى حوكمة التكنولوجيا نفسها. وينبغي لمنظمات المجتمع المدني، والسياسيين المنتخبين ديمقراطياً، والنقابات العمالية، والجهات التنظيمية، أن تستخدم أيضاً سلطاتها المشروعة للتأثير في كيفية نشر الذكاء الاصطناعي واستخدامه.
وحتى قادة شركات الذكاء الاصطناعي أصبحوا يدركون الآن ضرورة الانخراط بصورة أكبر مع هذه المؤسسات، إذا كانوا لا يريدون فقدان ثقة مستخدميهم جميعاً.
قد تكون فوائد التحوّل الذي يقوده الذكاء الاصطناعي هائلة بالفعل، حتى لو كان معظمها لم يثبت بعد بصورة قاطعة. لكن في غضون ذلك، لا يمكن لبقية المجتمع أن تظل مجرد ركاب سلبيين في المقعد الخلفي لسيارة الذكاء الاصطناعي العام، مثل أطفال في رحلة صيفية حارة، يسألون بضجر وإحباط: هل وصلنا بعد؟
فشركات الذكاء الاصطناعي مصممة على قيادة البشرية نحو وجهة لم تناقش بالكامل، ناهيك عن أن يكون هناك اتفاق عليها. وقد حان الوقت لأن نمتلك، نحن بقية أفراد المجتمع، قدراً أكبر من القدرة على التأثير في مستقبلنا كبشر.