جون ثورنهيل
إنها قصة مألوفة ومحبطة في الوقت نفسه. فأوروبا تبتكر التقنيات الجديدة، لكن الولايات المتحدة والصين هما من تحسنان استثمارها واستغلالها.
وقد أطلقت كبرى شركات التكنولوجيا الأمريكية أقوى النماذج المتقدمة المغلقة للذكاء الاصطناعي، مثل «كلود» و«تشات جي بي تي» و«جيميني».
وفي المقابل، نجح المطورون الصينيون في بناء نماذج أصغر حجماً وأكثر مرونة ومفتوحة المصدر، مثل «ديب سيك» و«كوين» و«كيمي».
ومع سيطرتهما المشتركة على تصميم الرقائق الإلكترونية وتشغيل مراكز البيانات، أصبحت القوتان التكنولوجيتان العظميان تهيمنان اليوم على منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية بأكملها.
ويشير مؤلفوها، ومن بينهم عدد من الباحثين والمستثمرين في الذكاء الاصطناعي، إلى المخاطر الناجمة عن اتساع الفجوة في هذه التكنولوجيا التحولية.
ويحذرون من أنه ما لم تغيّر أوروبا مسارها، فإنها «ستفقد القدرة على رسم مستقبلها بنفسها».
ولن يقتصر الأمر على تهميشها سياسياً واقتصادياً، بل ستصبح أيضاً عاجزة عن الدفاع عن قيمها أو الحفاظ على نموذج دولة الرفاه الذي تقوم عليه.
رغم ذلك، هناك عوامل إيجابية عدة في أوروبا قد تغير قواعد اللعبة خلال السنوات الخمس المقبلة. فالقارة تزخر بالباحثين ورواد الأعمال الموهوبين الذين أسهموا في بناء منظومة ديناميكية للشركات الناشئة في مراحلها المبكرة.
كما يركز كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة حالياً على بناء قدرات سيادية، خصوصاً في تقنيات الدفاع المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كما أطلقا صناديق ممولة من القطاع العام لمساعدة الشركات الواعدة على التوسع.
كذلك تمنح القاعدة الصناعية القوية في أوروبا فرصة للمنافسة في المجالات الناشئة مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي المادي، الذي يجمع بين البرمجيات والمعدات.
وأضاف «في هذه الحالة تمتلك العلاقة المباشرة مع العميل، وتتحكم في دورة البيانات، وتكون في أفضل موقع لبناء ميزة تنافسية طويلة الأجل».
فكما أسهمت وحدات معالجة الرسوميات (GPU) في إطلاق طفرة الذكاء الاصطناعي التوليدي، قد تؤدي وحدات المعالجة الكمية (QPU) إلى تسريع المرحلة التالية من تطور الحوسبة.
وتعد شركته الناشئة الجديدة «كيو تو» من بين الشركات التي تعمل على تطوير تطبيقات للذكاء الاصطناعي باستخدام الحواسيب الكمية. وكثيراً ما تعرضت أوروبا للانتقاد بسبب لوائحها التنظيمية المعقدة التي تعرقل الابتكار. لكن أحد أكبر العوائق أمام انتشار الذكاء الاصطناعي يتمثل في انعدام ثقة الجمهور بهذه التكنولوجيا.
ومن المفارقات أن ذلك قد يخلق فرصة لأوروبا إذا نجحت في تحقيق التوازن المناسب بين التنظيم والابتكار.
وترى أن إنشاء نظام حوكمة للذكاء الاصطناعي يخضع للمساءلة الديمقراطية قد يساعد أوروبا على القفز إلى موقع متقدم في المستقبل.
وقد انضمت ويتاكر إلى «بوست سكريبتوم» بصفتها مستشارة للمساهمة في تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي جديرة بالثقة.
ويرى مؤلفو تقرير «أوروبا 2031» أن حجم الاستجابة الحالية يقل بما يتراوح بين 10 أضعاف و100 ضعف عما هو مطلوب، داعين إلى إطلاق «أكثر الأجندات السياسية طموحاً في تاريخ أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية».
وقد تم توجيه انتقادات واسعة ومحقة، إلى القادة السياسيين لعدم اتخاذهم خطوات أكثر جدية لتنفيذ ما ورد في تقرير ماريو دراجي لعام 2024 بشأن القدرة التنافسية الأوروبية.
ووفقاً لتقرير مجلس الابتكار في السياسات الأوروبية الصادر في يوليو، لم ينفذ بالكامل سوى 60 توصية من أصل 383 توصية تضمنها التقرير.
لكن القطاع العام ليس وحده المقصر في مواجهة هذا التحدي. فقيادات الشركات، ومسؤولو أسواق رأس المال، ومديرو صناديق الاستثمار، مطالبون أيضاً بمعالجة فجوة الاستثمار السنوية البالغة 800 مليار يورو التي حددها دراجي.
وتكمن عبقرية الرأسمالية الأمريكية والصينية في قدرتها على توجيه تدفقات هائلة من رؤوس الأموال نحو التقنيات التي تتطور بوتيرة متسارعة.
وقد يؤدي ذلك أحياناً إلى استثمارات مفرطة وفقاعات مضاربية، لكنه لا يقلل من الحاجة الملحة لأن يبني الرأسماليون الأوروبيون بدورهم آلية قادرة على حشد التمويل اللازم لدعم الذكاء الاصطناعي.