سيميون كير

يشكل قرار شركة بريتيش بتروليوم «بي بي» «BP» بيع أعمالها في بحر الشمال، وإنهاء مسيرة ريادية امتدت ستة عقود في هذا الحوض النفطي الناضج، جرس إنذار جديداً، لمدينة تعاني أصلاً من تراجع أوضاعها الاقتصادية.

وكانت شركة النفط العملاقة، التي تتخذ من أبردين مقراً لها، قد بررت قرارها الأسبوع الماضي بأن أسواقاً أخرى توفر قيمة وفرصاً أكبر، في إطار سعيها إلى إعادة هيكلة محفظة أعمالها، وخفض مستويات ديونها.

ويقول إيان لويس، المدير المالي لشركة «إيثاكا إنرجي»، الذي امتنع عن التعليق على عملية بيع أصول «بي بي»: «إن خروج بي بي يمثل لحظة مفصلية، وسيتعين على جهات أخرى أن تتقدم إذا أردنا الاستفادة القصوى من بحر الشمال، الذي يعد أصلاً وطنياً». وأضاف: «كما أنه يثير تساؤلات حول القدرة التنافسية لهذا الحوض بكامله، عندما يقرر مستثمر كبير آخر الانسحاب منه».

ورغم أن كثيرين في قطاع الطاقة كانوا يتوقعون هذه الخطوة، فإن انسحاب «بي بي» زاد أيضاً من التدقيق في الترويج الذي يقوم به آندي بورنهام لنهجه الذي يصفه بـ«العملي» تجاه النفط والغاز، بما في ذلك خلال مخاطبته الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أبرز الداعين إلى فتح ما يصفه بـ «كنز» بحر الشمال أمام مزيد من عمليات التطوير.

وترى صناعة الطاقة أن التراجع المستمر في إنتاج بحر الشمال، يمكن الحد منه عبر إصلاح ما تصفه بالمعدل الضريبي العقابي البالغ 78 %، إلى جانب تسريع إجراءات الموافقة التنظيمية على حقول النفط والغاز، مثل «روزبانك» و«جاكدو».

وتأمل الشركات أن يمهد ذلك الطريق أمام مشروعات جديدة، تنفذها الشركات المستقلة التي لا تزال تنشط في الحوض، في وقت تواصل فيه الشركات النفطية الكبرى الانسحاب.

وتصل عملية الموافقة على تطوير هذين الحقلين إلى مرحلة حاسمة، مع اختتام المشاورات العامة خلال الشهر الجاري، بعدما تعرضت التراخيص السابقة للطعن أمام القضاء، بسبب عدم أخذ الانبعاثات الناتجة عن حرق النفط والغاز المستخرج منهما في الاعتبار.

وسيكون القرار النهائي بيد وزيرة الطاقة، مياتا فانبوله، التي سبق أن دعت إلى تقديم المواعيد المستهدفة لتحقيق الحياد الكربوني. وتعد فانبوله من المقربين إلى سلفها إد ميليباند، الذي أثار استياء واسعاً في أبردين، بسبب تركيزه على مصادر الطاقة المتجددة، على حساب الوقود الأحفوري.

وفي ظل استمرار الطلب على النفط والغاز خلال مرحلة التحول في قطاع الطاقة، تؤكد غرفة تجارة أبردين ومنطقة جرامبيان، أن إعطاء الأولوية للإنتاج المحلي، يعزز أمن الطاقة، ويقلل الاعتماد على الواردات الأعلى من حيث الانبعاثات الكربونية. ويقول لويس: «ليس من المنطقي استيراد الهيدروكربونات، بينما نترك مواردنا الهيدروكربونية مدفونة في باطن الأرض».

ويمثل البعد السياسي أيضاً تحدياً إضافياً، إذ إن إقرار نظام ضريبي جديد لشركات الوقود الأحفوري في وقت تحقق فيه أرباحاً استثنائية، نتيجة توترات الشرق الأوسط، قد يثير انتقادات واسعة.

وتعمل وزارة الخزانة البريطانية، بالتعاون مع القطاع، على إعداد مشروع قانون يستبدل الضريبة الحالية على الأرباح الاستثنائية للطاقة، بنظام بديل يفرض رسوماً بنسبة 35 % على إيرادات مبيعات النفط والغاز، عندما تتجاوز الأسعار 90 دولاراً للبرميل، و90 بنساً لكل وحدة حرارية، على التوالي.

ويهدف النظام الضريبي الجديد إلى فرض ضرائب على الأرباح الاستثنائية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الحوافز اللازمة للاستثمار.

ويأمل مسؤولو القطاع أن يسهم التركيز على أهمية تعزيز قدرة بريطانيا على تأمين احتياجاتها المحلية من الطاقة في تخفيف حدة الاعتراضات البيئية المتزايدة على مشاريع الحفر الجديدة في بحر الشمال، خاصة في وقت تجتاح فيه موجات حرائق غابات مدمرة، أنحاء أوروبا والمملكة المتحدة.

في المقابل، تدعو جماعات الدفاع عن المناخ حكومة بورنهام، إلى رفض طلبي تطوير حقلي «جاكدو» و«روزبانك». وتقول تيسا خان، من منظمة «أبليفت» المناهضة للوقود الأحفوري: «إن السعي وراء احتياطيات تتناقص باستمرار، سمح للحكومات المتعاقبة بتأجيل القرارات الصعبة، بدلاً من الاستثمار في صناعات جديدة».

ويتفق قادة الأعمال والنشطاء البيئيون، إلى حد كبير، على أن قطاع الطاقة المتجددة يمثل مفتاح مستقبل أبردين. لكن تباطؤ الزخم في قطاع طاقة الرياح البحرية في إسكتلندا يثير قلق مسؤولي سلاسل الإمداد، الذين كانوا يعولون على إنفاق متوقع يبلغ 26 مليار جنيه استرليني على 16 مشروعاً مخططاً لطاقة الرياح البحرية.

فحتى الآن، لم تتحقق الوعود المتعلقة بعقود التصنيع والتشغيل بالوتيرة التي كانت متوقعة، مع استمرار تعثر مشاريع طاقة الرياح البحرية في شمالي إسكتلندا. ويلقي العاملون في القطاع باللوم على ارتفاع رسوم نقل الكهرباء في المملكة المتحدة، التي تمنح أفضلية اقتصادية لإقامة مشروعات توليد الطاقة لقرب مراكز الطلب في إنجلترا، وهو ملف معقد آخر ينتظر وزيرة الطاقة فانبوله.

ولم يفز في أحدث مزاد حكومي لعقود «الفروقات»، التي توفر دعماً مالياً لمطوري مشاريع الطاقة، سوى مشروعين لطاقة الرياح البحرية في إسكتلندا. ولا يتوقع كثيرون أن يتقدم عدد كبير من المشاريع الأخرى للمشاركة في جولة المزاد المقبلة، المقررة في وقت لاحق من العام.

ومع انتقال الخبرات الهندسية المختصة في مشروعات الطاقة البحرية إلى الخارج، فإن عملية التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة، قد تواجه مخاطر حقيقية إذا استمرت سلاسل الإمداد المحلية في خسارة فرص العمل خلال ما تبقى من العقد الحالي.

وتأمل أوساط الأعمال في إسكتلندا، أن يضع بورنهام هذه التحديات في الحسبان، وأن تمتد رؤية رئيس الوزراء لتحقيق «النمو في كل رمز بريدي» إلى شمالي البلاد، لتشمل ما هو أبعد من مانشستر.