كاتي مارتن
نجح أول تدخل مشترك بين الولايات المتحدة واليابان لدعم الين منذ ما يقرب من 30 عاماً، إلى حد ما. ويتداول الدولار حالياً عند نحو 156 يناً، بعد أن بلغ ذروته الأسبوع الماضي عند قرابة 164 يناً.
فهل يستمر هذا التحسن؟ لا أحد يعلم. لكن من المفيد التوقف عند الأسباب التي دفعت إلى هذا التدخل من الأساس.
أحد التفسيرات المحتملة أنه مجرد تعبير عن حسن النية بين الحلفاء. فكما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه: «لديهم ين ضعيف، وكانوا يريدون قليلاً من المساعدة، ونحن دائماً إلى جانب اليابان.
لقد كانت اليابان جيدة جداً معنا، باستثناء، بالطبع، بيرل هاربور». ومن الصعب حقاً مجاراة مثل هذا التعليق. يا له من زمن نعيشه.
وقد تعهدت كل من وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما ووزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بمواصلة إظهار هذا التضامن علناً إذا استدعت ظروف السوق ذلك. فالصديق وقت الضيق هو الصديق الحقيقي.
وأرى أن هذا يعكس ما يمكن تسميته بـ«اقتصاديات الأصدقاء». فإذا كانت دولة ما تحظى بمكانة مميزة لدى الإدارة الأمريكية، سواء أكانت دولة آسيوية أم خليجية صديقة قد تحتاج إلى خطوط لمبادلة العملات، أو رئيساً أرجنتينياً يسعى إلى إبقاء عملته مستقرة قبيل الانتخابات، فإن سكوت بيسنت هو الشخص الذي يلجأ إليه.
ويبدو أن اليابان اليوم تنتمي إلى هذه الدائرة المقربة. وليس في ذلك ما يثير الدهشة؛ فالتحالفات الجيوسياسية لطالما لعبت دوراً في تسهيل حركة التمويل العالمي، وإن كان هذا النهج يبدو اليوم أكثر وضوحاً وصراحة من المعتاد.
لكن حسن النية ليس سوى جزء من الصورة، أما التفسير الأكثر إقناعاً فهو المصلحة الذاتية المحضة.
فقد أوضحنا من قبل أن أمام اليابان وسيلتين تقليديتين لدعم الين المنهك، الأولى هي رفع أسعار الفائدة اليابانية بصورة كبيرة، والثانية بيع كميات ضخمة من الدولارات، أي التخلص من سندات الخزانة الأمريكية. ولا يمثل أي من هذين الخيارين خبراً ساراً للولايات المتحدة.
فارتفاع أسعار الفائدة في اليابان يشكل خطراً كامناً على أسواق السندات الحكومية العالمية. وقد أصبحت عوائد السندات الحكومية اليابانية مرتفعة بالفعل مقارنة بالمعايير التاريخية.
إذ يبلغ حالياً عائد السندات لأجل عشر سنوات 2.8 %، بينما يصل عائد السندات لأجل ثلاثين عاماً إلى 4%.
وهذه مستويات كانت تبدو مستحيلة تقريباً بالنسبة إلى سوق ظل لسنوات طويلة يحوم حول الصفر من دون أن يلفت انتباه أحد.
وقد وصل الوضع بالفعل إلى مرحلة يتساءل فيها مديرو الأموال العالميون عن التوقيت الذي سيتوقف فيه المستثمرون اليابانيون عن توجيه أموالهم إلى الخارج، سواء إلى الولايات المتحدة أم أوروبا، وبدء الاحتفاظ باستثماراتهم داخل اليابان.
بل ويتساءلون أيضاً عما إذا كان المستثمرون في الولايات المتحدة وأوروبا قد يقررون بدورهم زيادة استثماراتهم في السوق اليابانية. وفي كلتا الحالتين، يعني ذلك تدفقات أقل تتجه نحو سندات الخزانة الأمريكية.
ويستغرب كثير من المستثمرين أن هذا التحول لم يظهر أثره بعد، ﻷنه الخطر الاقتصادي الكبير الذي يظل الجميع يتحدث عنه، لكنه لا يتحقق أبداً.
غير أن ارتفاع أسعار الفائدة المرجعية في اليابان إلى مستويات أعلى بكثير قد يغير هذا الواقع.
والولايات المتحدة ليست في وضع يسمح لها بخسارة أحد أكبر مشتري سندات الخزانة، في وقت ارتفع فيه عائد السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات، لأسباب داخلية بحتة، إلى نحو 4.7 %، بينما تجاوز عائد السندات لأجل ثلاثين عاماً مستوى 5 %.
وبالتأكيد لا يمكنها تحمل أن تتحول اليابان إلى بائع كبير لهذه السندات عبر بيع الدولارات في محاولة لدعم الين.
ويجدر التذكير بأن اليابان تعد أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية، إذ تمتلك ما يقارب تريليون دولار منها، أي أقل قليلاً من 4 % من إجمالي السندات القائمة.
ومن هنا، يبدو من الأفضل للولايات المتحدة أن تقف خلف اليابان كالأخ الأكبر المهيب، في محاولة لردع المضاربين الذين يراهنون على ضعف الين.
وربما كانت مساهمة الولايات المتحدة في التدخل المشترك يوم الجمعة محدودة الحجم، كما أنها جاءت عبر اليورو، على ما يبدو لأن اليورو والين هما العملتان المتاحتان لدى صندوق تثبيت سعر الصرف الأمريكي. لكن الرسالة التي أرادت واشنطن إيصالها كانت واضحة للغاية: «ابتعدوا».
وربما تكفي هذه الرسالة وحدها لتحقيق الغرض. فقد قال يوسوكي ميايري من شركة نومورا: «إن نسبة المخاطرة إلى العائد في محاولة دفع الدولار مقابل الين إلى مستوى 160 أصبحت الآن أقل جاذبية بكثير».
وهناك مؤشر آخر على أن الهدف غير المعلن لهذا التدخل هو حماية سوق سندات الخزانة الأمريكية. فقد أعلنت وزارة المالية اليابانية أن أي تدخلات مستقبلية لدعم الين ستعتمد على أداة يوفرها مجلس الاحتياطي الفيدرالي تعرف باسم «تسهيل إعادة الشراء للسلطات النقدية الأجنبية والدولية» (FIMA).
وتتيح هذه الآلية للبنوك المركزية والسلطات النقدية الأجنبية التي تحتفظ بسندات الخزانة الأمريكية لدى الاحتياطي الفيدرالي الحصول على سيولة بالدولار من خلال رهن تلك السندات مؤقتاً، بدلاً من بيعها في السوق.
والهدف من ذلك هو تلبية احتياجاتها من الدولار مع تجنب عمليات بيع قد تضغط على أسعار السندات وترفع عوائدها، وهو ما قد ينعكس سلباً على الأسواق المالية الأمريكية.
وكان بيسنت قد أعلن أيضاً أنه سيشجع الاحتياطي الفيدرالي خلال الأشهر المقبلة على زيادة القدرة التمويلية لهذه الآلية.
ويشير آدم جوزيفسون من «ساكونيت ريسيرش» إلى أن استخدام هذه الأداة ظل محدوداً للغاية منذ استحداثها خلال أزمة جائحة كوفيد 19 في عام 2020، إذ لم يستنفد سقفها الحالي البالغ 60 مليار دولار للطرف الواحد يومياً سوى مرة واحدة.
أما محللو «جولدمان ساكس» فقد اختصروا الفكرة مباشرة في مذكرة أمس الأول قائلين: «إن موافقة السلطات الأمريكية على استخدام هذه الآلية تشير إلى أن الجانب الأمريكي يرى احتمالاً بأن يؤدي التدخل في سوق الصرف إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية».
وليست هذه المرة الأولى التي تبدي فيها الولايات المتحدة حساسية تجاه الطلب الخارجي على سندات الخزانة.
ويكفي التذكير برد فعلها المتحفظ عندما ألمح مستثمرون دنماركيون إلى أنهم قد يقلصون استثماراتهم في الأصول الأمريكية إذا لم تتراجع واشنطن عن موقفها تجاه جرينلاند.
ومن هذا المنظور، يبدو أن التدخل الحالي ليس دعماً للين بقدر ما هو دعم لسندات الخزانة الأمريكية. وعلى أقل تقدير، فإن دافع الحفاظ على المصالح الأمريكية حاضر بقوة.
لكن، كما قال ميايري من «نومورا» أمس، فإن ما قد يساعد بالفعل هو صدور بيانات ضعيفة للوظائف الأمريكية يوم الجمعة، أو أن يفاجئ بنك اليابان الأسواق برفع أسعار الفائدة بوتيرة أكثر تشدداً في سبتمبر.
ويمكن أن أضيف إلى ذلك عاملاً آخر: أن تصبح رسائل الاحتياطي الفيدرالي أكثر وضوحاً وأسهل فهماً.
لكن ماذا لو لم ينجح التدخل؟ يجيب داليب سينغ، كبير الاقتصاديين العالميين في شركة «بي جي آي إم»، قائلاً: «ستكون التداعيات كبيرة على منحنى عوائد سندات الخزانة، وربما أيضاً على سياسة الاحتياطي الفيدرالي.
وليس لأن اليابان ستبيع أصولها الدولارية بشكل مذعور، فأنا أرى أنّ هذا الاحتمال بعيد جداً، وإنما لأن المضاربين قد يضخمون هذا التحول عبر بيع الين وسندات الخزانة الأمريكية في الوقت نفسه وبشكل مكثف، بهدف دفع كل من بنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة بصورة احترازية. لذا، استعدوا لرحلة مليئة بالتقلبات».