ريتشارد ووترز

شكّلت طفرة البنية التحتية لمراكز البيانات الوقود الذي غذى انتعاش سوق الأسهم في مجالات الذكاء الاصطناعي. فهل أوشكت هذه الطفرة نفسها اليوم على تقويض هذا الانتعاش؟

تحوّل القلق من النفقات الرأسمالية الضخمة والمتزايدة، إلى عبء ثقيل يلقي بظلاله على أسهم كبرى شركات التكنولوجيا.

وظهر ذلك بوضوح الأسبوع الماضي، عندما ركزت سوق الأسهم على استنزاف شركة «ألفابت» للسيولة النقدية للمرة اﻷولى في تاريخها كشركة مساهمة عامة، متجاهلة القفزة المفاجئة في إيرادات الخدمات السحابية وربحيتها التي تحققت بفضل هذا الإنفاق تحديداً.

وفي الأسبوع نفسه، تعرضت شركة «ميتا» لضغوط شديدة بسبب تعهدها بالمضي قدماً في استثماراتها الهائلة، متسببة في تبديد الآمال بشأن تخفيف الضغوط المالية ببيع جزء من فائض السعة في مراكز بياناتها، على غرار ما فعلته شركة «سبايس إكس» التابعة لإيلون ماسك.

وعلى العكس من ذلك، غردت شركة «مايكروسوفت» خارج السرب معلنة أنها بدأت تشهد أخيراً تسارعاً ملموساً في الإيرادات الناجمة عن إنفاقها على الذكاء الاصطناعي. ورغم ذلك، لا تزال أسهمها منخفضة بنسبة 15 % مقارنة بأعلى مستوى سجلته العام الماضي.

يأتي هذا القلق بشأن الإنفاق على مراكز البيانات في نهاية شهر شهد أيضاً تراجعاً حاداً في أسهم أشباه الموصلات. والسؤال المطروح الآن: هل هذا التراجع مجرد سحابة صيف عابرة، أم تحول جذري في المواقف تجاه صفقات الذكاء الاصطناعي التي شكلت الدعامة الأساسية لسوق الأسهم؟

أحد الاحتمالات هو أن وول ستريت تعتقد أن النفقات الرأسمالية أوشكت على الوصول إلى ذروتها، حتى وإن بدا الإنفاق قوياً على المدى القريب.

غير أن الأرقام والتصريحات الصادرة عن شركات التكنولوجيا لا تعطي أي سبب يدعو لترجيح هذا الطرح.

بل إن المناخ العام يجسده التصريح الصادر بعناية على لسان «إيمي هود»، المديـرة المالية لشركة مايكروسوفت، التي وصفت النقص الحالي في السعة التخزينية والتشغيلية بأنه «فترة صعبة نسبياً»، لإبراز حجم الفجوة الحادة وغير الطبيعية بين الطلب الهائل والمفاجئ على قدرات الذكاء الاصطناعي، وبين العجز الحاد في مراكز البيانات والبنية التحتية المتاحة حالياً لتلبية هذا الطلب.

إن التقلبات الدورية في الإنفاق أمر لا مفر منه، حتى في خضم الطفرات الهيكلية طويلة الأمد.

واستناداً إلى التقارير الأخيرة الصادرة عن شركة «مايكرون» وغيرها، يبدو أن النقص في شرائح الذاكرة سيستمر حتى نهاية عام 2027 على الأقل.

إلا أن سعات الإنتاج الجديدة المتوقع دخولها الخدمة بحلول عام 2028 قد تغير المشهد. رغم ذلك، لا يزال من المبكر التنبؤ بنقطة التحول هذه.

وهناك احتمال آخر يتمثل في قلق المستثمرين من أنه رغم بدء الارتفاع السريع في إيرادات شركات التكنولوجيا الناتجة عن سعات الذكاء الاصطناعي الجديدة، إلا أنها تظل متواضعة مقارنة بحجم الإنفاق الإجمالي.

لكن سجلات الطلبات لدى شركات الخدمات السحابية الكبرى توفر بعض التفاؤل. إذ قفز حجم الطلبات المؤجلة لشركتي «مايكروسوفت» و«جوجل» مجتمعتين إلى 1.2 تريليون دولار بنهاية الشهر الماضي، مقارنة بأقل من 500 مليار دولار قبل عام.

لكن هناك تركيز واضح للمخاطر، نظراً للاعتماد الهائل على شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، اللتين لم تثبتا بعد حاجتهما لكل تلك السعة لتلبية متطلبات عملائهما.

وفي سوق سريعة التطور، يصعب أيضاً التنبؤ بموعد وصول شركات الذكاء الاصطناعي إلى ربحية مستدامة.

وكانت «أنثروبيك» قد أعطت دفعة للسوق بفضل قفزة في النمو حققتها في وقت سابق من العام، ما دفعها للتوقع بتحقيق أول ربع مالي مربح لها. لكن سرعان ما تلا ذلك تقارير تفيد بفرض العملاء قيوداً صارمة على موظفيها لمنع إهدار سعة الاستخدام اليومي.

وهي الظاهرة المعروفة بـ«الاستغلال المفرط للرموز النصية». وأخيراً، أثارت النجاحات التي حققتها النماذج الصينية المخاوف من ضغوط أشد على الأسعار.

أما التفسير الثالث لهذا القلق، فيعود إلى الضخامة الاستثنائية للنفقات الرأسمالية مقارنة بالأوضاع المالية العامة لهذا القطاع.

فقد تراجع التدفق النقدي الحر الإيجابي لشركة «ميتا» في الربع الأخير، بينما صرحت «مايكروسوفت» بأن تدفقاتها ستظل إيجابية خلال سنتها المالية الجديدة التي بدأت للتو. لكن هذا يظل عزاءً خفيفاً لشركات جمعت أكثر من 110 مليارات دولار من السيولة النقدية الفائضة في سنتها المالية الماضية.

يشير كل ذلك إلى تحول أعمق في الشؤون المالية لهذا القطاع؛ فشركة «ألفابت»، إلى جانب استنزافها للسيولة، رفعت ديونها طويلة الأجل نحو 100 مليار دولار، مقارنة بـ 11 مليار دولار فقط قبل عام، فضلاً عن مفاجأتها للسوق أخيراً بجمع 85 مليار دولار عبر إصدار أسهم جديدة.

وقد لخصت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني هذا الوضع في تقرير صدر الأسبوع الماضي بقولها: مع تحول شركات التكنولوجيا الكبرى إلى كيانات «ثقيلة الأصول»، فإن «علاقتها برأس المال والمخاطر والائتمان تعيد تشكيل نفسها من جديد».

حتى وقت قريب، كان من الممكن التعامل مع «ألفابت» باعتبارها شركة محرك بحث عالية الربحية تختار استثمار سيولتها الفائضة في الذكاء الاصطناعي. إلا أنها تتحول سريعاً إلى شركة ذكاء اصطناعي ذات هيكل مالي مختلف تماماً، وربما بنموذج أعمال مختلف، عما كانت عليه في السابق.

ولا يقدم أي من هذه التفسيرات بمفرده سبباً مقنعاً كافياً لوقوع المستثمرين في حيرة أو تردد بشأن طفرة مراكز البيانات في هذه اللحظة بالذات. غير أنها مجتمعة تشرح بوضوح أسباب تصاعد مستويات القلق في السوق.