سوميا كينز

في وقت تواصل فيه صادرات الصين السلعية الارتفاع، وتتراجع وارداتها، اختلفت استجابة شركائها الاقتصاديين الرئيسيين لهذا التحول، ففي الولايات المتحدة، يسود رأي يعتبر أن هذه ليست مشكلة أمريكية، بالتزامن مع إعادة تشييد جدار الرسوم الجمركية، أما الاتحاد الأوروبي، فيدرس بقلق فرض حواجز تجارية جديدة، وإن كان لا يزال يواجه صعوبة في التوافق على تفاصيلها، لكن ماذا عن قوة اقتصادية متوسطة مثل المملكة المتحدة؟ وهل مع اشتداد آثار الصدمة الصينية الثانية، ستستطيع هذه الجزيرة الصغيرة الاكتفاء بالمراقبة والسماح للسلع الصينية الرخيصة بالتدفق إلى أسواقها؟



إن أبسط الحجج المؤيدة للسماح بتدفق السلع الصينية إلى السوق البريطانية هي أن البريطانيين يدركون جيداً ضغوط تكاليف المعيشة، وأن استقبال المزيد من السلع الصينية من شأنه أن يخفف تلك الضغوط، فخلال العامين الماضيين، ارتفعت أسعار السلع في المملكة المتحدة بنسبة 2.4 %.

وقدرت ميجان بيترز، من جولدمان ساكس، أن تدفق الواردات الصينية حال دون ارتفاعها بنحو 0.8 نقطة مئوية إضافية، ومن ذا الذي يرفض الحصول على سيارة أو حافلة كهربائية منخفضة التكلفة تدعم التحول الأخضر؟

وتستند حجة أخرى إلى أن التصنيع لم يعد يشكل الركيزة الأساسية للهوية الاقتصادية للمملكة المتحدة، فبرغم استمرارها كدولة تجارية، فإن ميزتها التنافسية باتت تتركز في الخدمات المهنية، وإذا كانت الصدمة الصينية الأولى، في مطلع القرن الحادي والعشرين، قد ألحقت أضراراً واسعة بالمناطق الصناعية البريطانية، فإن عدد العاملين في قطاع التصنيع اليوم أصبح أقل بكثير، ما يجعل أثر المنافسة القادمة عبر الواردات أضعف مما كان عليه في السابق.

وباستثناء بعض التذمر من مصنعي منتجات مثل الصلب والدراجات الهوائية والأطباق الخزفية، لا يبدو أن الشركات تصرخ من أمواج المنافسة الصينية التي لا تطاق.

وعندما فرضت الحكومة في لندن حواجز ضد تجارة الصلب في بداية شهر يوليو، عبّر المستوردون عن اعتراضهم بوضوح.

ربما يرجع ذلك إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة دفع الصناعة البريطانية إلى التركيز على المنتجات المتطورة والمصنوعة حسب الطلب، ما جعلها أقل عرضة للمنافسة المباشرة مع المنتجات الصينية.

الآن، لننتقل إلى الحجج الداعية إلى الحذر، فحتى إن لم تتفق مع رئيس الوزراء أندي برنهام في أن إعادة بناء القاعدة الصناعية تمثل أولوية ملحة، فإن التخلي شبه الكامل عن التصنيع في عصر تتصاعد فيه المنافسة الجيواقتصادية ينطوي على قدر كبير من المخاطرة، فكلما ازدادت حاجة المملكة المتحدة إلى الواردات الصينية، في الوقت الذي تتراجع فيه أهمية السوق البريطانية بالنسبة للصين، اتسع هامش النفوذ الذي يمكن أن تمارسه بكين عبر التجارة، ما يزيد مخاطر التعرض للإكراه الاقتصادي.

وعند مقارنة المملكة المتحدة بالاقتصادات الكبرى الأخرى، تبدو بالفعل أقل تعرضاً للمنافسة الصينية.

فوفقاً لمؤشرات تشابه التجارة السلعية التي طورها اقتصاديون في الاحتياطي الفيدرالي، فإن تركيبة الواردات البريطانية تعد أقل تشابهاً مع الصادرات الصينية مقارنة بنظيراتها في الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة.

كما تبدو المملكة المتحدة آمنة نسبياً في الأسواق الثالثة، بالنظر إلى أن صادراتها أقل تداخلاً مع مزيج الصادرات الصينية مقارنة بالاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة أو اليابان.

رغم ذلك، فإن الصورة تختلف عند النظر إلى السوق الصينية نفسها. إذ يبدو أن مصدري السلع البريطانيين يمرون بوضع يزداد صعوبة. فالصين لا تبدو راغبة في صادرات المملكة المتحدة، في حين تستفيد كندا والولايات المتحدة من صادراتهما من الطاقة إلى الصين. ومنذ عام 2019، اتسعت الفجوة بين المبيعات البريطانية والاحتياجات الصينية، كما هو الحال مع الاتحاد الأوروبي واليابان.

وعند التعمق في تفاصيل التدفقات التجارية، تراقب الحكومة البريطانية بحذر مواطن الاعتماد على الواردات الصينية، خشية أن تؤدي إلى اضطراب سلاسل الإمداد الصناعية.

ففي جلسة استماع برلمانية عقدت مؤخراً، أوضح وزير التجارة آنذاك، السير كريس براينت، أن المملكة المتحدة استوردت خلال عامي 2024 و2025 نحو 4482 نوعاً من السلع من الصين، كان 3380 منها بلا مورد بديل، من بينها 911 سلعة تعد حيوية للاقتصاد البريطاني. وتتركز هذه السلع في المواد الكيميائية والسلع المصنعة والآلات.

رغم ذلك، يبدو المصنعون البريطانيون أكثر حرصاً على الشكوى من ارتفاع أسعار الطاقة من التذمر بشأن المنافسة الصينية. وفي جلسة الاستماع نفسها، أشار براينت إلى أن الشركات البريطانية لم تكن مهتمة بشكل خاص بالمشاركة في عملية المطالبة بحواجز تجارية جديدة.

وربما يعود ذلك جزئيا إلى أن المصانع العاملة في بريطانيا مترددة في المخاطرة بالتعرض للانتقام في سوق توفر حاليا المدخلات وتدعم المبيعات في الوقت نفسه.

وحتى الوقت الراهن، تميل استراتيجية الحكومة البريطانية تميل إلى الاسترخاء، حيث تكتفي بمراقبة المخاطر المرتبطة بالعلاقة التجارية بين المملكة المتحدة والصين مع السعي للاستفادة من مكاسبها.

فهي لم تطبق الحواجز نفسها على السيارات الصينية كما فعل الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، ما سمح للواردات بالنمو بسرعة. وبعد يومين من جلسة استماع براينت، التقى رئيسه بوزير التجارة الصيني وانغ وينتاو واتفق الجانبان على دراسة جدوى اتفاقية تجارية تشمل قطاع الخدمات.

وعلى المدى القصير، قد لا يأتي التهديد الأكبر من استخدام الصين نفوذها التجاري كسلاح أو من إغراق السوق البريطانية بمنتجاتها، بل من الاتحاد الأوروبي، الذي يزداد انزعاجه من خسارة مصنعيه حصتهم في السوق البريطانية لصالح المنافسين الصينيين.

وقد يبدو النهج البريطاني المتساهل مقبولاً في الوقت الراهن، لكنه قد يصبح أكثر صعوبة إذا قررت إحدى القوى التجارية الكبرى أنها لم تعد مستعدة للتعايش معه.