هيئة تحرير «فاينانشال تايمز»
كانت البرمجيات مفتوحة المصدر هي المحرك الرئيسي لعصر الإنترنت، والعالم الرقمي اليوم مبني على أدوات مثل «لينوكس» و«بايثون».
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، ستلعب النماذج واسعة الانتشار، مفتوحة الأوزان، دوراً أساسياً أيضاً، لأنها تتيح لعموم المستخدمين تشغيلها وتخصيصها.
وقد دفعت التطورات الصينية في نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان بعض المسؤولين في إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب إلى المطالبة بفرض قيود عليها، إلا أن هذه التقنيات ضرورية لخلق بيئة ذكاء اصطناعي ديناميكية.
وكشف إطلاق «كيمي كيه 3»، الذي طورته شركة «موون شوت» الصينية، كيف أن نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة الأوزان تحقق أداء جيداً في وتضيق الفجوة مع النماذج الأمريكية الرائدة، رغم القيود المفروضة على وصول الصين إلى الشرائح الإلكترونية الأكثر تقدماً.
ورجح الخبراء أن هذه النماذج قد تم تدريبها باستخدام «التقطير واسع النطاق»، وهو مصطلح يطلق على عملية تستخدم مخرجات نموذج معين لبناء نموذج آخر. وتعامل المسؤولون الأمريكيون مع هذه المخاوف بجدية، حيث صرح وزير الخزانة سكوت بيسينت بأن فرض العقوبات خيار مطروح على الطاولة.
وقد أثارت نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مخاوف أثرت على عمليات بيع أسهم التكنولوجيا مؤخراً. إذ يخشى المستثمرون من أن انتشار مثل هذه التقنيات قد يضر بمختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية الكبرى، التي تجني أرباحها من بيع صلاحيات الوصول إلى النماذج المغلقة.
فالنماذج الصينية رخيصة التكلفة تضغط على الأسعار وتضع علامات استفهام حول العوائد التي يتوقعها المستثمرون. فالشركات الأميركية العملاقة ومختبرات الذكاء الخاصة بها تنفق مئات الملايين على قدرات المعالجة الحاسوبية، ما يدعم التقييمات القوية لبعض شركات مثل صانعي الشرائح.
كما حدد صناع السياسات مخاطر أخرى. فهناك مخاوف مشروعة حول الملكية الفكرية فيما يتعلق بعمليات التقطير، إضافة إلى مخاوف بشأن الأمان. فالنماذج مفتوحة الأوزان يصعب ضبطها ومراقبتها، واختبارات الأمان تزداد صعوبة بالنسبة للنماذج التي يمكن للمستخدمين تنزيلها وتعديلها.
إذ يمكن للجهات الخبيثة استخدامها لإنتاج أسلحة كيميائية أو بيولوجية. لذا، يجب على مختبرات الذكاء الاصطناعي والحكومات العمل معا لتطوير معايير الأمان وقدرات الاختبار للنماذج الجديدة.
لكن اتباع الولايات المتحدة لسياسات الحماية سيكون خطوة في الاتجاه الخاطئ من جانبها. فقد أكدت رسالة مفتوحة نشرها ينسن هوانغ، مؤسس شركة «إنفيديا»، على منصة «إكس» ووقع عليها شركات، مثل «بالانتير» و«ميتا» و«أوبن إيه آي» و«جوجل»، على الفوائد الجمة للنماذج مفتوحة الأوزان.
وسلطت الرسالة الضوء على ضرورة وجود «منظومة قوية ومفتوحة تنتشر في كل القطاعات. ما يخلق فرصاً للابتكار والازدهار في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وجذرت الرسالة فكرة أن القيود المبتسرة على هذه النماذج المفتوحة الناشئة قد تضر بالمنافسة والابتكار المحليين.
كما نشر داريو أمودي، مؤسس شركة «أنثروبيك»، منشوراً منفصلاً حث فيه على عدم حظر النماذج مفتوحة الأوزان، لكنه دعا إلى إخضاعها لاختبارات أمان إجبارية.
المخاوف بشأن الأمان والملكية الفكرية ضرورية، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى عائق أمام الابتكار. فجيل كامل من الشركات سيستفيد من الوصول إلى أدوات ذكاء اصطناعي أقل تكلفة، حتى لو شكل ذلك ضغطاً على كبرى مختبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية.
وبما أن النماذج مفتوحة الأوزان يمكنها تقديم العديد من الاستخدامات العامة بتكلفة أرخص، فيجب على المختبرات الأمريكية المنافسة تسريع جهودها لتطوير أدوات قائمة على وكلاء ذكاء اصطناعي قادرة على إنجاز مهام محددة وأكثر تعقيداً.
وفي خطاب ألقاه مؤخراً، سلط الرئيس شي جين بينغ، الضوء على طموح الصين في تصدير أدوات الذكاء الاصطناعي وخبراتها عبر «طريق الحرير الرقمي»، حيث تعتبر نماذجها منخفضة التكلفة أكثر ملاءمة للمستخدمين في الدول النامية.
لذا، ينبغي على الولايات المتحدة أن تتوخى الحذر من التحركات الصينية للهيمنة على مستقبل الذكاء الاصطناعي. لكن الرد الأفضل بالنسبة لها هو تشجيع المزيد من النماذج الأمريكية البديلة مفتوحة الأوزان، بدلاً من فرض قيود على تلك القادمة من الصين. وقد يساعد هذا أيضاً في تشجيع بكين على التعاون بشأن المعايير واختبارات الأمان.
ورغم التحدي الذي تفرضه النماذج مفتوحة الأوزان على المختبرات الأمريكية المتقدمة، إلا أن النماذج الأحدث والأرخص ستساعد في دفع عجلة تبني الذكاء الاصطناعي عبر مختلف القطاعات الاقتصادية. وإذا أدى ذلك إلى زيادة النمو والازدهار، فسينعكس بالإيجاب على قطاع التكنولوجيا الأمريكي أيضاً.