كيرياكوس بيراكاكيس.. وزير المالية اليوناني ورئيس مجموعة اليورو

في خضم النقاش الدائر حول ميزانية الاتحاد الأوروبي المقبلة، يهيمن افتراض نادراً ما يخضع للتشكيك، وهو أن طموحات أوروبا تتزايد، بينما تظل مواردها محدودة. فالدفاع، والذكاء الاصطناعي، والتحول الأخضر، جميعها تتطلب استثمارات ضخمة، ما يحصر النقاش في سؤال بات مألوفاً: كيف يمكن توزيع الموارد الحالية بين هذه الأولويات المتنافسة؟

لكن هذا، في رأيي، هو السؤال الخطأ. فالمنعطفات الكبرى في تاريخ أوروبا لم تتحقق عبر إعادة توزيع الثروة، بل عبر خلقها. فقد وسعت السوق الموحدة حجم الاقتصاد الأوروبي، بينما عزز اليورو التكامل المالي.

وفي كل محطة مفصلية، نجح التكامل الأوروبي أولاً في توسيع القاعدة الإنتاجية للقارة، قبل أن ينعكس ذلك في زيادة مواردها المالية.

لذلك، وبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن مصادر جديدة للإيرادات، يجدر بنا أن نتساءل، هل تمتلك أوروبا بالفعل أصولاً استراتيجية لم تستثمر بعد على النحو الأمثل؟

ومن أبرز هذه الأصول الطيف الترددي للراديو. فهو البنية الأساسية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والمصانع الذكية، والخدمات الحكومية الرقمية.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي نجح في بناء سوق موحدة للسلع والخدمات ورؤوس الأموال والأفراد، فإنه لا يزال يدير أحد أهم موارده الاستراتيجية من خلال 27 نظاماً وطنياً منفصلاً لتراخيص الطيف الترددي.

ولا يمكن لأوروبا أن تطمح إلى منافسة عالمية في قطاع الاتصالات، بينما تواصل تنظيم هذا القطاع وفق اعتبارات وطنية متفرقة.

وقد أصبح هذا التشرذم أكثر كلفة مع مرور الوقت. فالاتصالات لم تعد مجرد قطاع للبنية التحتية، بل أصبحت العمود الفقري للاقتصاد الرقمي بأكمله. فالذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والاتصالات الدفاعية، والأتمتة الصناعية، كلها تعتمد على شبكات عالية الكفاءة والسعة.

ومع ذلك، لا يزال مشغلو الاتصالات يعملون في ظل 27 جدولاً زمنياً مختلفاً للمزادات، ومدد تراخيص متفاوتة، وإجراءات تجديد غير موحدة، وأطر تنظيمية متباينة.

ويؤدي ذلك إلى زيادة عدم اليقين التنظيمي، ورفع تكلفة رأس المال، وتعقيد التخطيط للاستثمارات طويلة الأجل، فضلاً عن إبطاء تطوير الشبكات. ويمثل الانتقال من شبكات الجيل الخامس إلى الجيل السادس فرصة نادرة لتصحيح هذا المسار.

فخلال السنوات المقبلة، ستحتاج الترددات الرئيسية المستخدمة في شبكات 5G إلى التجديد في مختلف أنحاء أوروبا، بينما لا يزال نطاق 6 جيجاهرتز (6425–7125 ميجاهرتز) غير مخصص حتى الآن.

وبدلاً من تكرار 27 عملية ترخيص منفصلة، ينبغي إنشاء «اتحاد أوروبي للطيف التردد».

وسيظل الطيف مملوكاً للدول الأعضاء، مع احترام التراخيص القائمة حتى انتهاء مدتها، لكن تخصيص الطيف الاستراتيجي مستقبلاً يجب أن يتم ضمن إطار أوروبي موحد، بجداول زمنية منسقة، وشروط تراخيص متناغمة، ومعايير فنية وأمنية مشتركة.

وستكون المكاسب الاقتصادية كبيرة. إذ سيوفر ذلك قدراً أكبر من الثقة في العملية التنظيمية، ويحسن التخطيط الاستثماري طويل الأجل، ويخفض تكاليف التمويل، ويسرع نشر شبكات الجيل السادس.

كما سيعزز تنافسية قطاع الاتصالات الأوروبي وقاعدته التكنولوجية، لأن سياسة الطيف الترددي الفعالة هي، في جوهرها، سياسة صناعية ناجحة. وهناك مكسب آخر لا يقل أهمية. فإيرادات تخصيص الطيف الترددي تذهب اليوم بالكامل تقريباً إلى الميزانيات الوطنية.

أما في إطار «اتحاد أوروبي للطيف الترددي»، فيمكن للدول الأعضاء الاحتفاظ بجزء من هذه الإيرادات، على أن يوجه ما يصل إلى 75 % منها إلى ميزانية الاتحاد الأوروبي بوصفها مورداً مالياً جديداً، بينما يخصص 25 % المتبقية لرأسمال تابع لبنك الاستثمار الأوروبي لدعم مشاريع الربط الرقمي والتكنولوجيا.

ويستطيع بنك الاستثمار الأوروبي مضاعفة أثر هذا الرأسمال عبر الاقتراض من الأسواق، ما يسمح بتمويل استثمارات تتجاوز قيمته الاسمية بكثير في مجالات مثل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والشبكات الرقمية.

وبهذا، لا يقتصر المقترح على إعادة توزيع الموارد، بل يوسع القدرة الاستثمارية لأوروبا ويخلق مصادر تمويل جديدة.

كما ينسجم هذا التوجه مع القواعد المالية للاتحاد الأوروبي، إذ لا تعامل إيرادات الطيف الترددي بوصفها إيرادات تقديرية ضمن الإطار المالي الأوروبي، ما يقلل حافز الحكومات للاحتفاظ بها كاملة، ويفتح المجال لإعادة توجيه جزء كبير منها نحو مشاريع أوروبية مشتركة، مع الإبقاء على قدر من المرونة للدول الأعضاء.

والغاية ليست مجرد إيجاد موارد مالية جديدة للاتحاد الأوروبي، بل استكمال السوق الموحدة للاتصالات والربط الرقمي، بما يتيح استثمارات أكبر، وسوقاً أكثر تنافسية، وقاعدة تكنولوجية أوسع.

قد يرى البعض أن إدارة الطيف الترددي تظل اختصاصاً وطنياً، وهم محقون من الناحية القانونية. لكن كثيراً من أبرز إنجازات الاتحاد الأوروبي بدأت بوصفها اختصاصات وطنية، قبل أن يفرض الواقع الاقتصادي تكاملاً أعمق.

والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الدول قادرة على إدارة الطيف منفردة، بل ما إذا كان استمرار هذا التشرذم يمثل أفضل طريقة لإدارة أصل استراتيجي في اقتصاد رقمي عابر للحدود.

والإجابة، في تقديري، واضحة. فكما شكل الفحم والصلب أساس النهضة الصناعية الأوروبية، أصبحت شبكات الاتصالات والطيف الترددي اليوم أساس الاقتصاد الرقمي.

ولهذا، ينبغي ألا تقتصر ميزانية الاتحاد الأوروبي على تحديد كيفية إنفاق الموارد، بل أن تحدد أيضاً كيف يمكن خلق موارد جديدة وتعظيم قيمة الأصول التي تمتلكها أوروبا بالفعل.