ويليام واليس
تكتسي تلة «مريما» بغطاء كثيف يرتفع شامخاً أمام حقول خضراء من قصب السكر وبساتين الموز ومزارع الكاسافا، قرب ساحل كينيا المطل على المحيط الهندي.
وتعد التلة والتكوينات البركانية المجاورة بالنسبة للتحالفات والشركات الأمريكية التي تخوض منافسة محتدمة مع شركات صينية وأسترالية للتعدين في المنطقة، كنزاً من العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية لا غنى عنه للتقنيات الدفاعية ومجالات الطاقة.
وقدر أحد المنقبين السابقين قيمة هذه الترسبات بنحو 62 مليار دولار في عام 2013، غير أن ذلك الرقم لم يأخذ في الحسبان التكلفة الباهظة لعمليات الاستخراج والمعالجة.
وبعد أشهر من الانتظار والترقب، اختارت وزارة التعدين الكينية قائمة قصيرة تضم 7 مجموعات للمنافسة على حق تطوير الموقع.
أما بالنسبة لشعب «الديجو»، الذين سكنوا هذه المنطقة لمئات السنين ويجدون أنفسهم اليوم مجرد متفرجين في تجاذب جيواستراتيجي محتدم، فإن التلة ليست مجرد وطن، بل هي موقع مقدس يعرف بـ «كايا».
وقال جيرمين كاشي، الخبير التنموي في المنطقة: إن «المجتمع المحلي يبدي مقاومة لأنه يخشى على سبل عيشه، ويساوره القلق بشأن صكوك ملكية أراضيه، فضلاً عن وجود هذا المزار المقدس».
وإذا كنت قد شاهدت فيلم «أفاتار»، التحفة السينمائية لجيمس كاميرون التي تدور حول البحث عن عنصر «الأنوبتانيم» على كوكب آخر بعد أن استنزف البشر موارد الأرض، فإن «تلة مريما» تعادل تماماً «شجرة الأرواح»، فهي موقع مقدس تستقر فيه أرواح الأجداد والذاكرة الثقافية لشعب الديجو.
وقال قاسم سليمان منيتو، حارس مواقع «الكايا» الثمانية عشرة في مقاطعة كوالي الكينية، حيث أنشأ شعب الديجو معاقل حراجية محصنة: «إنها ليست مثل كنيسة يمكنك هدمها، فمن المستحيل نقلها أو زحزحتها من مكانها».
ويرى السكان المحليون، الذين يضمون العديد من المجموعات العرقية الأخرى التي تفلح الأرض في المنطقة، إن الوضع يدعو للقلق، لكنهم يبدون انفتاحاً مشروطاً تجاه احتمال خضوع المنطقة للتعدين.
ومع ذلك، تتصاعد التوترات في ظل سعي سياسيين من الخارج لشراء الأراضي بأسعار بخسة، وفي إحدى اللحظات، اقتحمت عصابة مدججة بالمدى والأسلحة البيضاء الاجتماع على متن دراجات نارية لإرباك لقاء مع المزارعين، بينما أغلقت مجموعة أخرى من القرويين طرق الوصول إلى التلة.
وقال سليمان مواريزو، رئيس مجلس إدارة صندوق موارد مجتمع ديغو، المسجل لتمثيل مصالح المجتمع: «نسعى جاهدين للتوحد على رأي واحد». لكنه أضاف أن هناك جهات خارجية خبيثة «تحاول بنشاط زرع الفتنة بيننا وإضعافنا».
وقال علي شيراو مواكويري، المتحدث باسم مجتمع «ميجيكيندا» الأوسع الذي يشكل شعب الديجو جزءاً منه: «نحن لا نعلم الطرق التي ستستخدمها شركات التعدين: هل سيعمدون إلى تدمير التلة أم سينقبون بدهاء من أسفلها؟».
وأضاف مواكويري، وهو وزير مناجم سابق صاغ مسودة أولية لقانون التعدين لعام 2016، أنه في حال إنشاء مناجم مكشوفة تجرف المزار المقدس، فإن «الحرب العالمية الثالثة ستندلع».
وانتظرت التحالفات السبعة المدرجة في القائمة القصيرة شهراً عصيباً لمعرفة نتائج المناقصة التي قلصت عدد المنقبين المحتملين من 13، وأمامها الآن حتى الأول من أكتوبر لتقديم خطط أكثر تفصيلاً قبل الإعلان عن الفائز النهائي.
الرهانات مرتفعة للغاية؛ فالصين تسعى لحماية حصتها البالغة 90% من السوق العالمية للعناصر الأرضية النادرة، وقد وضعت مجموعة «جينان يوشياو» التعدينية العائلية ضمن القائمة القصيرة.
كما تأهل إلى القائمة القصيرة تحالف أسترالي يضم شركتي «رير إكس» و«إيلوكا»، والتي تبني واحدة من محطات معالجة العناصر الأرضية النادرة القليلة خارج الصين.
كما تم إدراج «ري إليمينت» الأمريكية، والتي تخطط لتطوير سلاسل إمداد للمغناطيسات المستخدمة في الأنظمة العسكرية الأمريكية بالتعاون مع شركة «فولكان إليمينتس»، التي تمتلك فيها شركة «1789 كابيتال» الاستثمارية التابعة لدونالد ترامب الابن حصة مالية.
وقال هاري كيمتاي، أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في وزارة التعدين، في رد متحفظ على أسئلة حول الضغوط التي تعرضت لها الحكومة الكينية من الخارج: «نحن ننتظر النتيجة».
ويعيش سكان القرى المجاورة للموقع حالة مماثلة من الترقب والقلق. وقد تؤدي النتيجة إلى تجريد السكان، الذين يقدر القادة المحليون عددهم بنحو 150 ألف نسمة داخل حدود الامتياز، من كل ما يعرفونه ويملكونه.
وقد تتركهم محرومين من إرثهم وتحول وطنهم الخصيب إلى بيئة قاحلة تشبه سطح القمر مليئة بالنفايات السامة، خصوصاً مع وجود معدن «الثوريوم» المشع بين المعادن الموجودة.
وتستند هذه المخاوف جزئياً إلى تجربة قرويين نزعت أراضيهم لصالح مشروع للرمال المعدنية مجاور؛ حيث ذكر كاشي وآخرون أن عمليات التعدين هناك سبقتها عمليات استيلاء على الأراضي من قبل مسؤولين في نيروبي، ما حرم المجتمع المحلي في النهاية من عوائد التعدين المخصصة للتنمية المحلية.
وقال جوستوس مويرو، رئيس جمعية ملاك المزارع في تلة مريما: إن مجموعته تدعم تطوير المنجم بشرط تلبية اشتراطات محددة.
وقال مواكويري: «نحن بحاجة إلى معلومات واضحة حول ما سيحدث لأراضينا... ونريد لسبل العيش أن تتحسن. لا بد من إجراء الكثير من المشاورات».