روشير شارما
رئيس «روكفلر إنتلجنس»، ومؤلف كتاب «ما الخطأ الذي أصاب الرأسمالية؟»
لكن من يطالع مؤشرات المزاج العام لن يتوقع ذلك؛ فالمستهلكون يواصلون الإنفاق بوتيرة قوية، رغم أن الفجوة بين سلوكهم الفعلي ونبرة التشاؤم التي يعبرون عنها في استطلاعات الرأي بلغت مستويات غير مسبوقة.
وفي الواقع، لم يسجل المؤشران مستويات أدنى من هذا إلا مرتين فقط خلال العقود الثلاثة الماضية، كان أبرزهما خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
أما المسوح الأحدث والأوسع نطاقاً التي تجريها مؤسسة «ستاندرد آند بورز»، فقد جاءت أقرب إلى الواقع، لكنها، رغم اﻻنتعاش الأخير، لا تزال تعكس صورة أكثر ضعفاً ما يشير إليه النمو الاقتصادي الفعلي.
فمعدلات الاستجابة المتراجعة تشوه النتائج، بينما يبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي تغذي حالة دائمة من السخط، بصرف النظر عن قوة الاقتصاد أو سرعة نموه.
وفي بيئة يسودها الاستقطاب السياسي، يميل الناخبون إلى اعتبار الأوضاع الاقتصادية كارثية كلما كان الحزب المنافس في السلطة.
ولهذه الأسباب وغيرها، خلصت دراسات حديثة إلى أن موثوقية أهم استطلاعات الرأي تراجعت، ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً في منطقة اليورو والمملكة المتحدة.
وهناك عامل أكثر أهمية، وهو أن هذه المسوح تنحرف نتائجها كلما اتسعت فجوة التفاوت الاقتصادي.
فعلى خلاف بيانات الناتج المحلي الإجمالي، التي تقيس النشاط الاقتصادي الفعلي، تمنح استطلاعات الرأي الوزن نفسه لكل مشارك، ما يجعلها عاجزة عن استيعاب أو التنبؤ بالحجم الكامل للنمو عندما يعتمد بصورة متزايدة على إنفاق شريحة محدودة من السكان.
وهذا تحديداً ما يحدث اليوم؛ ففي الولايات المتحدة، يستحوذ أغنى 10% من السكان على نصف الإنفاق الاستهلاكي، بعدما كانت حصتهم لا تتجاوز الثلث قبل ثلاثة عقود. لذلك، ليس مستغرباً أن تبدو غالبية الآراء متشائمة.
كما بلغ الانقسام السياسي، بعد سنوات من الاتساع، مستويات صارخة.
وبأي مقياس تقريباً، من التضخم وصولاً إلى البطالة، يبدو الاقتصاد الأمريكي في عهد دونالد ترامب هذا العام مشابهاً إلى حد بعيد ما كان عليه عام 2024، وهو العام الأخير من ولاية جو بايدن.
رغم ذلك، تراجعت نسبة الديمقراطيين الذين يرون أن الاقتصاد في وضع جيد أو جيد جداً من 70% إلى 5% فقط خلال هذه الفترة القصيرة، في حين ارتفعت النسبة نفسها بين الجمهوريين من نحو 5% إلى 70%.
وفي الوقت نفسه، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال التركيز المفرط على أنماط حياة الأثرياء، في منح معظم الناس سبباً إضافياً للشعور بأنهم أقل حظاً عند مقارنة أوضاعهم بالآخرين.
وارتفعت نسبة المستهلكين الذين يقولون إن أوضاعهم المالية تدهورت بسبب التضخم منذ الجائحة من 10% إلى 40%.
ومع تحسن معنويات الشركات الصناعية الكبرى في الآونة الأخيرة، واصلت استطلاعات الشركات الصغيرة تسجيل تراجع، ما يعكس المزاج السائد بين المستهلكين ذوي الدخل المنخفض.
بل إن مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه بدأ يشكك في قدرة هذه المسوح على التنبؤ، بعدما لاحظ، كما قال رئيسه السابق جاي باول، أن الأمريكيين يعبرون عن تشاؤمهم تجاه الاقتصاد، ثم يخرجون بعد ذلك لشراء سيارات جديدة.
ولهذا، وإلى أن يصبح هذا النظام أكثر عدالة ويمنح الناس شعوراً أكبر بالإنصاف، ستظل استطلاعات المعنويات الاقتصادية محدودة القيمة، وضعيفة القدرة على التنبؤ بمسار الاقتصاد الحقيقي.