رانا فوروهار
كلما بدا أن عملية التمويل بلغت أقصى حدودها، أثبت الواقع أنها لا تزال قادرة على الذهاب إلى أبعد من ذلك.
والمقصود بذلك هو الانتشار المتزايد لأدوات مالية جديدة تعيد إنتاج سعر أصل مالي قائم، أو عائده، أو سيولته، أو حتى وظيفته كوسيلة للدفع، بدون أن تخضع للقواعد المرتبطة بملكية ذلك الأصل، أو الإفصاح عنه، أو حدود الرافعة المالية، أو متطلبات الهوية وسائر الضوابط التي تفرض عادة عند تداول الأصل نفسه.
إنها، إذا صح التعبير، «نسخة هولوغرافية مالية»؛ أصول تتمتع بتكافؤ اقتصادي مع الأصل الذي تحاكيه، لكنها لا تتمتع بالضرورة بالتكافؤ المؤسسي أو التنظيمي.
وعادة ما يزدهر هذا النوع من الهندسة المالية المعقدة في المراحل الأخيرة من موجات الصعود الكبرى للأسواق، وهو ما يرى معظم المشاركين في السوق أننا نعيشه حالياً. فحجم القطاع المالي اليوم يعادل نحو 6 أضعاف حجم الاقتصاد الحقيقي، مقارنة بنحو ثلاثة أضعاف ونصف فقط قبيل الأزمة المالية العالمية.
لكن لا خلاف على أنها تشهد نمواً متسارعاً. ففي فعالية نظمها «مجلس العلاقات الخارجية» الأسبوع الماضي، قال روبرت دينولت، رئيس قسم الإنفاذ في منصة «كالشي»، إن حجم تداول العقود الآجلة الدائمة على المنصة بلغ 17.5 مليار دولار منذ إطلاقها في مايو، مضيفا أن اهتمام المستثمرين المؤسسيين بها يتزايد بسرعة.
لكن هذا هو الاتجاه الذي تسير إليه الأسواق بوضوح، كما أن الثغرات التنظيمية التي تخلقها هذه «النسخ الهولوجرامية» للأسواق واسعة إلى درجة يمكن معها، مجازاً، أن تمر عبرها شاحنة كاملة.
وهذا يفتح الباب أمام شركات العملات المشفرة لإتاحة شراء وبيع نسخ رقمية من الأسهم قد تخضع لرقابة أخف بكثير من الأسهم الأصلية.
لماذا يمثل ذلك مشكلة؟ لأنه قد يجعل من الصعب معرفة من يملك ماذا في أي وقت، ناهيك عن التعقيدات التي سيخلقها في فرض الضرائب على الأرباح الرأسمالية بصورة عادلة.
صحيح أن قانون الوضوح يمنح هيئة الأوراق المالية والبورصات سلطة الإشراف على المنتجات المرمزة ويؤكد ضرورة معاملتها باعتبارها أوراقاً مالية، لكنه لا يلزم جميع هذه المنتجات، مثل المشتقات المرمزة ذات التسوية النقدية أو الرموز الاصطناعية، بأن تدخل ضمن متطلبات الإفصاح عن الملكية الفعلية.
لكن في عالم الأصول المرمزة، قد يمتلك المستثمر بصورة مباشرة 3% فقط من أسهم شركة معينة، إلى جانب رموز صادرة عن أطراف أخرى أو عقود آجلة دائمة متداولة عبر عدة منصات للعملات المشفرة.
وقد يمنحه ذلك انكشافاً يتجاوز الحد الذي تفرضه الهيئة، بدون أن يفصح عنه بالطريقة نفسها التي يفصح بها عن الملكية التقليدية للأسهم، بما يسمح بإخفاء الحجم الحقيقي للمراكز الاستثمارية واستخدام مستويات مرتفعة من الرافعة المالية قد تنطوي على مخاطر جسيمة.
فقد استخدمت الشركة عقود المبادلة على إجمالي العائد، التي لم تكن تخضع لقواعد الإفصاح المباشر عن الملكية، لزيادة اقتراضها من عدة بنوك وبناء مراكز ضخمة في عدد محدود من الأسهم، وهو أمر لم يكن ممكناً لو اشترت الأسهم مباشرة.
كما قبلت البنوك ضمانات أقل مما كانت ستطلبه عادة، لأنها لم تكن تعلم حجم التمويل الذي حصلت عليه الشركة من مقرضين آخرين. وقد أغلقت معظم الثغرات التي سمحت بتلك الكارثة عندما يتعلق الأمر بعقود المبادلة، لكنها لا تزال قائمة بالنسبة إلى المنتجات المرمزة.
وحذرت من أنه رغم قدرتها على «تسهيل جمع رؤوس الأموال» وتعزيز قدرة المستثمرين على استخدام أصولهم كضمانات، إلا أنها «لا تمتلك قدرات سحرية تغير طبيعة الأصل الأساسي»، مشيرة إلى أن العقود المبرمة عبر أطراف ثالثة تنطوي على مخاطر خاصة.
وأكدت أن الأوراق المالية المرمزة «تبقى أوراقاً مالية»، وينبغي أن تخضع للتنظيم على هذا الأساس.