بريندان جريلي

غادر ستيفن ميران منصبه المؤقت في مجلس الاحتياطي الفيدرالي في مايو الماضي، ليعود إلى عمله السابق في شركة هدسون باي كابيتال مانجمنت. 

وفي هذا الشهر، أعلن في ورقة بحثية أعدها لصالح الشركة بالاشتراك مع الاقتصادي نورييل روبيني عن مشروعه الجديد، وهو إعادة إحياء النظرية النقدية التي اعتبرها كثيرون في حكم الميتة.

من جهته، شكل كيفن وارش، رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي، خمس فرق عمل، تم تكليف كل منها بإعادة تصور جانب من جوانب السياسة النقدية.

وكان المجلس قد حاول أيضاً مراجعة أدواته وسياساته خلال فترة رئاسة جاي باول، إلا أن خطة وورش تبدو أكثر طموحاً. ففي مرحلة قد تشهد تغييرات حقيقية، سيصبح لكل مدرسة اقتصادية فرصة للعودة إلى الواجهة.

وتتمتع النظرية النقدية بمكانة متناقضة، فهي من جهة إطار فكري صارم يمتد تاريخه لعقود طويلة، ومن جهة أخرى تمثل الفكرة المبسطة عن المال التي يتبناها كثير من غير المتخصصين.

وفي أبسط صورها، ترى هذه النظرية أن حجم المعروض النقدي في الاقتصاد وسرعة تداول الأموال يؤثران معاً في معدلات التضخم. فكلما زادت كمية النقود وتسارعت وتيرة تداولها، ارتفع التضخم.

ويمكن تتبع جذور هذه الفكرة إلى القرن السادس عشر، عندما لاحظ علماء في مدينة سلامنكا الإسبانية ارتفاع الأسعار في إشبيلية، وتساءلوا عما إذا كان ذلك مرتبطاً بتدفق الفضة من المكسيك وجبال الأنديز أو بالتوسع الائتماني الذي أعقب ذلك.

وفي أوائل القرن العشرين، رأى الاقتصادي إيرفينغ فيشر أن إغلاق البنوك خلال السنوات الأولى من الكساد الكبير أدى إلى انكماش المعروض النقدي، ما تسبب في انكماش حاد للأسعار زاد عبء الديون القائمة، وألقى بمزيد من الضغوط على القطاع المصرفي.

وبعد الكساد الكبير، بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي جمع بيانات عن حجم المعروض النقدي الناتج عن القروض المصرفية الجديدة.

وفي 1963، نشر ميلتون فريدمان وآنا شوارتز كتاب «التاريخ النقدي للولايات المتحدة»، وهو عمل ضخم يوثق تطور المعروض النقدي عاماً بعد عام منذ الحرب الأهلية الأمريكية.

وكان فريدمان وشوارتز مقتنعين بأن الاحتياطي الفيدرالي أخفق خلال فترة الكساد في تعويض النقود التي اختفت من الميزانيات العمومية للبنوك، وهي الفكرة التي تركت أثراً عميقاً في بن برنانكي عندما كان طالب دكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا خلال سبعينيات القرن الماضي.

ودعا فريدمان إلى اعتماد معدل نمو ثابت للمعروض النقدي بصورة آلية، بل إن الاحتياطي الفيدرالي جعل المعروض النقدي هدفاً مباشراً لسياساته لفترة وجيزة أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

لكن برنانكي، الذي أصبح رئيساً للمجلس لاحقاً، أوضح في خطاب ألقاه عام 2006 أسباب تخلي البنك المركزي عن هذا النهج واعتماد استهداف التضخم بدلاً منه.

فقد رأى أن قياس مختلف مكونات المعروض النقدي أصبح بالغ الصعوبة، كما أن التنبؤ بوتيرة نموها لم يعد أمراً سهلاً.

وأضاف أن العلاقة العملية بين المعروض النقدي والتضخم لم تكن واضحة بما يكفي، ما حرم الاحتياطي الفيدرالي من أساس نظري متين يبني عليه سياساته.

وانتهى برنانكي إلى أن «الاعتماد المفرط على المجاميع النقدية كدليل لتوجيه السياسة النقدية لا يبدو خياراً حكيماً في الحالة الأمريكية».

وقد تبدو هذه العبارة هادئة، لكنها في لغة محافظي البنوك المركزية كانت بمثابة إعلان وفاة للنظرية النقدية. ففي عام 2006، اعتبر أن هذه المدرسة الاقتصادية قد انتهى دورها.

وفي ورقته البحثية لشركة هدسون، يشير ميران إلى أن الكونجرس ألزم الاحتياطي الفيدرالي بالفعل بمراعاة حجم المعروض النقدي، وهو محق في ذلك.

فالقانون الأمريكي ينص صراحة على أنه يجب على البنك المركزي «الحفاظ على نمو طويل الأجل في المجاميع النقدية والائتمانية بما يتناسب مع قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج على المدى الطويل».

ويأتي هذا النص بعد عبارة «يجب» في القانون، ما يعني أن الاحتياطي الفيدرالي ملزم بتنفيذه.

لكنه يتجاهله عملياً، ويفضل التركيز على الفقرة التالية التي تتحدث عن استقرار الأسعار وتحقيق التشغيل الكامل للعمالة.

ومن خلال التخلي الكامل عن النظرية النقدية، أصبح الاحتياطي الفيدرالي هو من يحدد لنفسه واجباته، وهو أيضاً من يقيم أداءه فيها.

لكن ميران لا يدعو إلى عودة الاحتياطي الفيدرالي لاستهداف إجمالي المعروض النقدي كما كان الحال في الماضي.

بدلاً من ذلك، يقترح التركيز على مجموعات مختلفة من النقود، مثل النقد الورقي، والودائع الجارية، وسندات الخزانة الأمريكية. ويطلق على هذه المجموعات اسم «ديفيجيا»، نسبة إلى الاقتصادي الفرنسي فرانسوا ديفيزيا.

ولكل نوع منها درجة مختلفة من «الصفة النقدية»، أي من السيولة. فالنقد الورقي يتمتع بأعلى درجات السيولة، بينما تقل سيولة سندات الخزانة.

ويرى ميران أن هذه المجاميع النقدية توفر، بخلاف مفهوم فريدمان التقليدي لإجمالي المعروض النقدي، «معلومات مفيدة» حول أنواع الأموال الأكثر قدرة على توليد التضخم.

كما أن تحليل هذه الأنواع المختلفة يساعد في تفسير سبب إخفاق الاحتياطي الفيدرالي في خفض التضخم إلى الارتفاع رغم سنوات من زيادة الاحتياطيات المصرفية، بينما ربما ساهمت وزارة الخزانة في تسريع التضخم عام 2021 عندما دفعت مزيداً من الودائع إلى أيدي المستهلكين.

وكان وارش قد أشار في عدد من خطاباته إلى أن الاحتياطي الفيدرالي بحاجة إلى إيلاء اهتمام أكبر للمعروض النقدي، وأن التخلي الكامل عن النظرية النقدية كان خطأ.

غير أن المفارقة تكمن في أن توماس سارجنت، الذي يتولى رئاسة أحد فرق العمل الجديدة التي شكلها وارش، هو أحد المشاركين في تأليف الدراسة الشهيرة «بعض الحسابات النقدية غير المستساغة»، التي تعد من أبرز الدراسات التي تناولت حدود النظرية النقدية وأوجه قصورها.

رغم ذلك، حتى إذا لم يعتمد الاحتياطي الفيدرالي نهج ميران القائم على مجاميع «ديفيجيا»، فإنه ينبغي له، على أقل تقدير، أن يبدأ في مراقبة نمو مختلف أنواع النقود والائتمان عن كثب، وهو ما يفرضه عليه القانون الأمريكي بالفعل.