زيجينغ وو

في عام 2019، حصل يانغ زيلين، مؤسس شركة «مون شوت إيه آي»، على درجة الدكتوراه من جامعة كارنيجي ميلون الأمريكية بعد 4 سنوات فقط، وهو ما يقل بعامين عن المدة المعتادة. 

وكانت شركة «أبل» ترغب في ضمه، بينما استضافته شركتا «جوجل» و«ميتا» كمتدرب، فضلاً عن فتح أبواب أبحاث ما بعد الدكتوراه أمامه في جامعتي ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. غير أنه رفض تلك الفرص جميعها وقرر العودة إلى الصين.

وعلّق روس سالاخوتدينوف، المشرف على يانغ زيلين في جامعة كارنيجي ميلون، على ذلك لاحقاً قائلاً: «إذا لم يحاول على الأقل تأسيس شركته الخاصة، فسيندم على ذلك بقية حياته».

وتعكس تلك الخطوة الجريئة، التي كانت حينها رهاناً مخالفاً للتوجه السائد، رؤية ثاقبة اليوم.

إذ أطلقت شركة «مون شوت»، ومقرها بكين، الأسبوع الماضي نموذج اللغة الكبير «كيمي كيه 3»، الذي تم وضعه في مصاف النماذج الرائدة من شركتي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، حتى إن إيلون ماسك وصفه بأنه «عمل مثير للإعجاب».

واستيقظ وادي السيليكون في الولايات المتحدة على سؤال مفاده: لماذا سمحت أمريكا برحيل يانغ؟ الرواية التي تفيد بأن سياسات الهجرة الأمريكية هي التي دفعته إلى المغادرة تظل غير مكتملة. إذ أكد سالاخوتدينوف أنه كان يمتلك مسارات متعددة للبقاء.

بل إن أحد التنفيذيين في شركة «أبل» عرض على يانغ دوراً في مكتب الشركة ببكين تلبية لرغبته في العودة إلى الوطن، إلا أنه فضل تأسيس شركته الخاصة في الذكاء الاصطناعي، واستوحى لها اسماً من ألبومه المفضل لفرقة بينك فلويد «الجانب المظلم من القمر».

لكن التفسير الأعمق لقرار يانغ يكمن في الجاذبية المتزايدة لمنظومة الذكاء الاصطناعي في الصين، ومسيرته تسلط الضوء على هذا التحول.

فبعد تخرجه في جامعة تسينغوا، شارك خلال سنوات دراسته بجامعة كارنيغي ميلون في كتابة أوراق بحثية بارزة مثل «ترانسفورمر-إكس إل». وهي الأبحاث التي ساهمت في تشكيل بنية المحولات السائدة التي تستند إليها نماذج اللغة الكبيرة اليوم.

وخلال ثلاثة أعوام من تأسيس «مون شوت»، نجح فريقه المكون من 300 شخص في تطوير نموذج ينافس أفضل النماذج العالمية. فهل كان بمقدوره تحقيق الإنجاز نفسه لو أسس «مون شوت» في الولايات المتحدة؟ ربما.

لكن العديد من المؤسسين الصينيين ممن يحملون خلفيات مماثلة ذكروا أن تأسيس شركة ناشئة كان أسهل بالنسبة لهم في الصين. ويرجع ذلك جزئياً إلى شبكات معارفهم الواسعة في وطنهم والبيئة الثقافية الأكثر ملاءمة، فضلاً عن وجود إطار تنظيمي موحد ويجمع مواهب أكثر عمقاً وإنتاجية.

وبالطبع، تحيط ببيئة العمل في الصين تحديات عدة تواجه شركات الذكاء الاصطناعي، تتلخص في القيود الصارمة على القدرات الحوسبية المتقدمة، والمخاطر الجيوسياسية المتمثلة في حظر المنتجات بالخارج، ومخاطر التدخل السياسي والرقابة، إضافة إلى سوق تمويل أقل مقارنة بالولايات المتحدة.

رغم ذلك، أشار أحد رواد الأعمال الصينيين إلى أنه رغم أن شركته الناشئة كانت ستحقق تقييماً أعلى بعشر مرات على الأقل لو تأسست في الولايات المتحدة، فإن فرصه في الصين أفضل بكثير لتطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي في مجالات مثل القيادة الذاتية التي تتجاوز القدرات البشرية خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتاريخياً، كان أغلبية الطلاب الصينيين في العلوم والرياضيات والتكنولوجيا يفضلون البقاء في الولايات المتحدة بعد نيل الدكتوراه. إلا أن التقارير تشير إلى ارتفاع أعداد العائدين، حتى إن الذين اختاروا البقاء بدأوا بالعودة في منتصف مسيرتهم المهنية.

ويعود أحد الأسباب لدى البعض إلى البيئة السياسية والاجتماعية، حيث أظهر مسح أجرته جامعة ستانفورد عام 2024 وشمل 1304 باحثين من أصول صينية مقيمين في الولايات المتحدة، أن 73% منهم يشعرون بعدم الأمان كباحثين أكاديميين، فيما أشار 65% منهم إلى مخاوف تتعلق بـ «الكراهية والعنف ضد الآسيويين».

وقد أصبحت المناقشات المحتدمة حول مغادرة يانغ تجسد المخاوف الأمريكية الأوسع بشأن الاحتفاظ بمواهب الذكاء الاصطناعي. إذ دعا البعض في وادي السيليكون إلى منح البطاقة الخضراء لكل حائز على الدكتوراه في هذا المجال.

لكن هذا المطلب يتجاهل واقعاً أكبر. وهو أن الصين لم تعد مجرد مستورد صافٍ للمواهب المدربة أمريكياً، بل بنت خط إنتاجها الخاص. فقد تتبع معهد هوفر بجامعة ستانفورد 356 باحثاً يقفون خلف النماذج الأساسية لشركة «ديب سيك»، وتبين أن 53.5% منهم لم يدرسوا أو يعملوا قط خارج الصين.

وإجمالاً، عاد 70% من بين الذين تعلموا وامتلكوا خبرة في الولايات المتحدة في النهاية إلى الصين. وينتمي يانغ إلى طليعة من النخب التي لا تمثل العودة بالنسبة لها خياراً بديلاً، بل الاختيار الأول، ولم تكن قراراتهم مدفوعة بعدم اليقين في التأشيرات، بل برغبة في الريادة.

رغم ذلك، فإن الرسالة التي تبعث بها أمريكا إلى يانغ الذي ربما يأتي في المستقبل تحمل أهمية بالغة، فنظام التأشيرات الأمريكي صمم لخدمة التوظيف لا ريادة الأعمال، ما يقلل فاعليته بالنسبة لمؤسسين شركاتهم الناشئة.

وعلى مدار عقود، اعتمدت الهيمنة التكنولوجية الأمريكية على معادلة بسيطة، جذب ألمع العقول في العالم والاحتفاظ بها. وتؤكد قصة يانغ أن هذا النهج يمر باختبار حقيقي، ليس فقط لأن الولايات المتحدة أصبحت أقل ترحيباً، بل لأن الصين أصبحت أكثر جاذبية.

ولم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان يانغ قد اتخذ القرار الصحيح، بل كم من أمثاله سيتخذون القرار نفسه وبقناعة تامة في أن المستقبل الذي يطمحون إلى بنائه يكمن في مكان آخر.