مارتن وولف

نحن نعيش اليوم في عصر يغلب عليه النهج التجاري «الميركانتيلي»، وأقصد بذلك عصراً أصبحت فيه اعتبارات الأمن والقوة حاضرة لدى صناع السياسات بالقدر نفسه الذي تحظى به اعتبارات الازدهار الاقتصادي.

والميركانتيلية أو «المدرسة التجارية»، هو تعبير عن مجموعة سياسات تجارية ومبادئ اقتصادية تدعم التدخل الحكومي في النشاط الاقتصادي لزيادة الصادرات وتقليل الواردات لمراكمة الثروة، واستخدامها في تمكين الجهاز العسكري، لتأكيد السيادة الاقتصادية على الدول الأخرى. وامتدت هذه السياسة من القرن السادس إلى الثامن عشر في الدول القومية الأوروبية.

وكما أشرت سابقاً في مقال بعنوان «الانتصار الخطير للمدرسة التجارية الجديدة»، فإنّ هذا التوجه يهدد استقرار الاقتصاد العالمي والعلاقات بين القوى الكبرى، فضلاً عن أن الصين تبدو، بطبيعة بنيتها، أكثر ملاءمة للتعامل مع هذا النهج مقارنة بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ويسعى «التجاريون الجدد» إلى تحقيق القوة والأمن، أو بعبارة أخرى امتلاك القدرة على إخضاع الآخرين للضغوط مع تجنب الوقوع تحت ضغوطهم.

لكن كيف يمكن قياس هذه القدرة؟ الطريقة الأكثر وضوحاً هي النظر إلى حجم الاقتصاد، ومستوى الاكتفاء الذاتي، والقدرة الاحتكارية.

غير أن هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الراحل، كان محقاً عندما قال إن: «أي دولة لا تستطيع تحقيق الأمن المطلق، لأن الأمن المطلق لدولة ما يعني انعدام الأمن المطلق لدى الآخرين». فكلما أصبحت أكثر إثارة للخوف، ازداد استعداد الآخرين للتكتل ضدك.

لنأخذ الصين مثالاً؛ فاقتصادها أصبح يقارب في حجمه الاقتصاد الأمريكي، وهي اليوم على أعتاب الريادة، كما أنها أيضاً في قلب أهم التقنيات الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي الذي يبدو أنها تحقق فيه تقدماً لافتاً.

وقد كان تطورها في هذا المجال مذهلاً بالفعل. صحيح أن أمريكا تتمتع بدرجة أعلى من الاكتفاء الذاتي في الطاقة، لكن الصين تمتلك قوة عاملة أكبر بكثير، فضلاً عن حجم هائل من المدخرات القابلة للاستثمار. ففي عام 2025 بلغت المدخرات الوطنية الإجمالية في الصين 43% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 17% فقط في أمريكا.

كما أن قطاع التصنيع الصيني أضخم بكثير. ففي عام 2024 كادت القيمة المضافة للصناعة التحويلية في الصين تعادل مجتمعة ما حققته أمريكا ومنطقة اليورو معاً.

أما تفوقها في مجالات الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية فأصبح أمراً لا يمكن تجاهله.

وأشار صندوق التحوط الشهير «بريدجووتر أسوشيتس» في أكتوبر 2025 إلى أن أمريكا تحقق اكتفاءً ذاتياً في الطاقة بفضل وفرة النفط والغاز المحليين، لكنها تواجه قيوداً في قدرتها على زيادة إنتاج الكهرباء. أما الصين فتتمتع باكتفاء ذاتي في الكهرباء بفضل الفحم والطاقة المتجددة، لكنها تبقى معرضة لمخاطر في إمدادات النفط والغاز. وقد كشفت حرب إيران عن هذه الثغرة بوضوح.

رغم ذلك، استطاعت الصين بناء مواقع احتكارية قوية في سلاسل الإمداد العالمية. ويشمل ذلك الألواح الشمسية، وبطاريات الليثيوم، والعناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات، ومعدني الغاليوم والجرمانيوم، وصناعة السفن.

وبعض هذه القطاعات يمثل نقاط اختناق استراتيجية حقيقية، كما ظهر بفاعلية خلال حرب الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة.

إن القدرة على توفير منتجات ومكونات لا يستطيع الآخرون الاستغناء عنها تمنح صاحبها قوة إكراه اقتصادية كبيرة.

كما أن ارتفاع مستوى الاكتفاء الذاتي في الصين يقلل قابليتها للتعرض للضغوط الخارجية، في حين يجعل حجم اقتصادها منها سوقاً رئيسية لدول عدة. وبذلك تبدو قدرتها على ممارسة النفوذ الاقتصادي هائلة.

وفي نقاش حديث بين براد سيتسر من مجلس العلاقات الخارجية وماركوس برونرماير من جامعة برينستون، أشار سيتسر إلى أن كثيرين باتوا يتحدثون اليوم عن «الصدمة الصينية الثانية». وهناك عوامل عدة تدعم هذا الرأي.

أولاً، يختلف الوضع الاقتصادي الكلي للصين اليوم جذرياً عما كان عليه قبل الأزمة المالية العالمية، بل وأكثر اختلافاً عما كان عليه قبل انتهاء طفرة العقارات. فالصادرات تشهد نمواً قوياً، بينما يعاني الطلب المحلي من الركود.

ثانياً، يبلغ فائض التصدير الصيني في التصنيع نحو 2% من الناتج العالمي، وهو مستوى يعادل تقريباً ضعف أكبر فائض سجلته اليابان في تاريخها.

وثالثاً، وهو الأهم، تسجل الصين عجزاً صافياً غير مفسر في دخل استثماراتها الخارجية يناهز 125 مليار دولار، رغم أنها تمتلك أصولاً أجنبية صافية بقيمة 4 تريليونات دولار. وبناءً على افتراضات معقولة حول العائد المتوقع من هذه الأصول، كان يفترض أن تحقق فائضاً يقارب 100 مليار دولار.

ولهذا يمكن القول إن اليوان الصيني أقل من قيمته الحقيقية بنحو 30%. بعبارة أخرى، ما زالت الصين تظهر إحدى السمات التقليدية للمدرسة التجارية، وهي تحقيق فوائض مستدامة في الميزان التجاري والحساب الجاري.

ولهذا تبدو السياسات الصينية في نظر جزء كبير من العالم سياسات مهددة بطبيعتها. فعندما يحقق شريك تجاري كبير فوائض ضخمة ومستمرة في التجارة والحساب الجاري، يجب على بقية الدول أن تتحمل عجوزات مقابلة.

ويؤدي ذلك إلى انكماش القطاعات المنتجة للسلع والخدمات القابلة للتجارة الدولية، كما يفاقم الاختلالات المالية الداخلية. ومن ثم تتصاعد الضغوط الحمائية، كما نشهد اليوم في أمريكا وبدرجة متزايدة داخل الاتحاد الأوروبي.

ولا تقتصر آثار السعي الصيني للهيمنة الصناعية على الاقتصادات المتقدمة. فبحسب شوميترو تشاتيرجي وأرفيند سوبرامانيان، فإن الدول النامية والفقيرة من أبرز المتضررين، لأن هذا النموذج يعرقل فرصها في بناء قطاعات صناعية قادرة على دفع عجلة التنمية.

ومن السمات اللافتة للتجربة الصينية تراجع معدل النمو الاقتصادي من أكثر من 10% قبل عقدين إلى نحو 4.3% فقط خلال العام المنتهي في الربع الثاني من 2026. بل إن هذا الرقم نفسه قد تكون فيه مبالغة في نمو الاقتصاد القائم على قوى السوق.

فبعد انفجار فقاعة العقارات، لم يعد الاقتصاد الصيني قادراً على توليد فرص استثمارية كافية لاستيعاب الكم الهائل من المدخرات المحلية.

رغم ذلك، وكما يلاحظ الخبير المخضرم في الشأن الصيني ستيفن روتش، فإن إعادة التوازن المطلوبة منذ سنوات نحو زيادة الاستهلاك المحلي في الصين ما زالت تراوح مكانها. ويبدو أنه في ظل قيادة شي جين بينغ لن تحظى أولوية تعزيز الاستهلاك بالمكانة التي تحتاجها.

رغم كل ذلك، تبقى الصين قوة تجارية فعالة، وإن لم تكن بمنأى عن عيوب هذا النهج. أما أمريكا فقد أصبحت بدورها أكثر ميلاً إلى المدرسة التجارية، لكن بصورة أقل تماسكاً وتنظيماً. كما يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مضطراً إلى التحرك في الاتجاه نفسه.

ويرى برونرماير أنه في هذا العالم الجديد ينبغي ألا يقتصر تقييم الدول على الحساب الجاري فقط، بل يجب أيضاً احتساب ما يسميه «حساب المرونة»، الذي يقيس حجم الاعتماد الجيوسياسي من خلال تقييم مدى سهولة الحصول على السلع المستوردة من مصادر بديلة في دول أخرى. وإنها لفكرة ذكية بالفعل. لكن يبقى السؤال الأهم: من سيكون المنتصر في النهاية في حرب «الميركانتيلية الجديدة»؟.