ليو لويس

تتجه القطارات في اليابان نحو تحقيق سرعات فائقة مع تبنّي البلاد مشاريع عملاقة بالغة الطموح. وفي لحظة مستقبلية لم تتحدد بعد، عندما ينطلق قطار «شينكانسن لينير تشوو» المغناطيسي في أولى رحلاته، بسرعة تصل إلى 505 كيلومترات في الساعة عبر وسط اليابان، فإنه سيعبر محافظة شيزوؤكا في أقل من 64 ثانية بقليل.

وقد تطلب الأمر أكثر من عقد من الخلافات قبل أن تتمكن اليابان من إعلان ذلك بثقة، غير أن الأمر سيتطلب سنوات طويلة قبل أن يتمكن أي شخص من استقلال القطار نفسه، وربما سنوات أخرى كثيرة قبل أن ينظر الناس حقاً إلى وسط اليابان على أنه «شريط اقتصادي» متصل بسلاسة كما تتصوره الحكومة، لكن بدءاً من يوم السبت الماضي تحققت انفراجة قانونية أساسية، حيث اتفقت شركة السكك الحديدية «جي آر سنترال» أخيراً مع حاكم شيزوؤكا على السماح للقطار المغناطيسي بالمرور عبر زاوية من المحافظة تبلغ مساحتها 8.9 كيلومترات، ما أزال عقبة تسببت في تأخير هذا المشروع الطموح للغاية منذ منتصف العقد الماضي.

ومع إنهاء هذا الجمود الطويل حول الجزء الأخير من المسار أصبح بإمكان البلاد ليس فقط المضي قدماً في بناء قطار سيربط يوماً ما بين طوكيو وأوساكا في 67 دقيقة، بل التركيز أيضاً على مهمة لا تقل حيوية، وهي صياغة وتنفيذ سياسات صناعية فائقة الطموح، وهذه السياسات هي قوة سحرية تتحرك ببطء لدعم وسائل النقل العام عالية السرعة، وربما تكون المفتاح لمستقبل اليابان في اقتصاد عالمي، يزداد شراسة وضراوة.

وفجأة أصبح هناك الكثير على المحك، وهو أمر أكبر من التكلفة الباهظة للمشروع، التي تبلغ 68 مليار دولار، ومن عقود الرصيد السياسي، الذي حشدته الحكومات المتعاقبة وراء هذا المشروع، الذي يجب أن ينجح لتتقدم اليابان.

وظهر ذلك بشكل أوضح بعد أن راهنت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي على استراتيجية جريئة للغاية، تمس مستقبل رابع أكبر اقتصاد في العالم، فقد وافق مجلس وزرائها على مخطط سياسات يهدف لضخ استثمارات مشتركة بين القطاعين العام والخاص بقيمة 2.3 تريليون دولار حتى عام 2040 في 17 قطاعاً مختاراً. وستتمكن الوزارات من تقديم طلبات الميزانية دون حدود قصوى، كما ستتغير آلية إعداد الميزانية بشكل أساسي وفقاً للوثيقة.

ويركز جزء كبير من هذا المخطط على الأمن الاقتصادي، غير أن قدراً كبيراً ومنعشاً منه يركز على النمو، ويأتي كل ذلك في نقد ضمني للماضي القريب والمتوسط لليابان، حيث لم تستثمر شركاتها الحذرة من المخاطر بشكل جماعي في تحقيق النمو، بينما كانت النافذة المتاحة لفعل ذلك تغلق بسرعة.

ولعل الأكثر أهمية في الاستراتيجية الجديدة هي أنها تضع جهود اليابان المستقبلية في سياقها العالمي، حيث جاء في الوثيقة أن هناك توجهاً كبيراً بين الدول المتقدمة نحو عمل القطاعين الحكومي والخاص معاً على ضخ استثمارات صناعية ضخمة وطويلة الأجل، وهي رؤية ربما كانت تحسب في الماضي على النموذج الصيني تحديداً، لكنها أصبحت تشمل بوضوح الآن الولايات المتحدة ودولاً أخرى، ووعدت الوثيقة أيضاً بأن تسعى الحكومة جاهدة لمواجهة تحديات عصر المنافسة العالمية الكبرى بين السياسات الصناعية.

وفي اليوم نفسه الذي تمت فيه الموافقة على المخطط أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة توجيهات منفصلة للاستثمار في النمو، في محاولة لتشجيع نحو 4000 شركة مدرجة في اليابان على توجيه المزيد من جهودها نحو النمو، وهو ما شكل نقداً لاذعاً وصريحاً للوضع الحالي.

وأظهرت أبحاث الوزارة أنه ضمن أكبر 350 شركة يابانية من حيث المبيعات، لا يزال 65 % من رأس المال المستثمر محتجزاً في قطاعات تدمر القيمة، في حين تبلغ النسبة المماثلة في الولايات المتحدة 39 %.

وتحاول كل من استراتيجية تاكايتشي والتوجيهات الجديدة لوزارة الاقتصاد تقديم نسخة جديدة من السياسة الصناعية لا تسعى فقط إلى تحفيز النمو، بل تراهن بشكل كبير على قدرة الحكومة على تشجيع الشركات بطريقة عجزت قوى السوق عن تحقيقها.

وقد يتطلب تحقيق ذلك مجموعة مختلفة من المحفزات، لكن الحظ يقف فجأة إلى جانب تاكايتشي؛ فهي لم تشارك في التخطيط للقطار المغناطيسي، ولا يبدو أنها لعبت دوراً في إقناع شيزوؤكا بالتعاون، لكنها تقود البلاد في الوقت المناسب تماماً الذي يمكن فيه لليابان أخيراً أن تجرؤ على الحلم بركوب قطار بسرعة 505 كيلومترات في الساعة.

إن القيمة الاقتصادية طويلة الأجل للقطار المغناطيسي قد تكون بالفعل ضخمة كما ظل يؤكد مؤيدوه لعقود، لكن قيمته كونه رمزاً، في الوقت الحالي وفي المستقبل، تبدو أكثر منالاً، فالرمزية هنا لا تقتصر على الطموح فحسب، بل تمتد لتشمل الصبر والالتزام، وإذا ما أثمر هذا الرهان الهائل فستظهر قدرة الحكومة على التدخل بنجاح كونها صانعاً للسياسات الصناعية.