ليكس

خسرت أوروبا سباق الريادة في الذكاء الاصطناعي تقريباً قبل أن يبدأ، ففي الوقت الذي نجحت فيه شركة «ميسترال»، التي تعد الأقرب لتمثيل القارة في هذا المضمار، في تأمين أولى جولاتها التمويلية عام 2023، كانت شركة «أوبن إيه آي» الأمريكية قد جمعت بالفعل أكثر من 13 مليار دولار.

وقبل ذلك بنحو عقد من الزمان، كانت شركة «ديب مايند» اللندنية قد بيعت لعملاق التكنولوجيا «غوغل». رغم ذلك، فإن السباق التكنولوجي المقبل قد يشهد منافسة أكثر تقارباً.

لكن في قطاع الحوسبة الكمية الناشئ، نجحت أوروبا في جذب حصة من تمويلات رأس المال الاستثماري تتجاوز معدلاتها المعتادة بكثير.

وأظهرت بيانات مؤسسة «بيتش بوك» أن الشركات الأوروبية جمعت 404 ملايين دولار خلال الربع الأول من العام الجاري، لتقف على مسافة قريبة جداً خلف الشركات في أمريكا الشمالية، وتحديداً الولايات المتحدة، التي جمعت 417 مليون دولار.

وصحيح أن الفجوة كانت أكثر اتساعاً العام الماضي، حيث شكلت التمويلات الأوروبية البالغة 1.4 مليار دولار نحو 60 % من إجمالي تمويلات أمريكا الشمالية، إلا أن هذه النسبة تظل أفضل بكثير مقارنة بواقع الشركات الناشئة في القطاعات الأخرى، إذ لا تحصد الشركات الأوروبية في مجمل قطاع رأس المال الاستثماري سوى 24 % فقط مما تحققه المجموعات الأمريكية.

ومن بعض النواحي، لا ينبغي لهذا التميز النسبي أن يكون مفاجئاً، فالرجل الذي يوصف بـ«الأب الروحي للحوسبة الكمية» هو في الأصل عالم فيزياء بريطاني، لكن التاريخ يعلمنا أيضاً أن مخترع شبكة الإنترنت العالمية كان بريطانياً كذلك، رغم ذلك لم تتحول المملكة المتحدة إلى مركز ثقل عالمي لشركات الإنترنت العملاقة.

ولطالما عانت المملكة المتحدة وبقية دول أوروبا تاريخياً من معضلتين متلازمتين: الأولى هي الإخفاق في تحويل الأبحاث العلمية الواعدة إلى مشاريع تجارية ناجحة، والثانية هي غياب التمويل الكافي الذي يساعد الشركات الناشئة القليلة التي تمكنت من الظهور على التوسع والنمو.

وفي السنوات الأخيرة، سعت الحكومات الأوروبية جاهدة لمعالجة هاتين المشكلتين، حيث ترتبط العديد من المجموعات البريطانية الناشئة بـ«البرنامج الوطني لتقنيات الحوسبة الكمية»، الذي تأسس برؤية استشرافية قبل أكثر من عقد لتشجيع تطوير تكنولوجيا الكم وتسويقها تجارياً.

وجاءت عدة صفقات تمويلية أخيراً لصالح شركات خرجت من مؤسسات عامة، مثل شركة «أكسفورد كوانتوم سيركتس» التي خرجت من رحم قسم الفيزياء بجامعة أكسفورد، وشركة «كوانتوم موشن» التي أسسها باحثون من أكسفورد وكلية لندن الجامعية، وشركة «كوبلي» التي انطلقت من معهد الأبحاث الفرنسي «سي إي إيه-ليتي».

ونجحت هذه الشركات الثلاث في جمع استثمارات قوية خلال الأشهر القليلة الماضية عبر صفقات مزجت بين الأموال العامة والخاصة، حيث حظيت الشركتان البريطانيتان بدعم من «بنك الأعمال البريطاني» الحكومي للتنمية، في حين تلقت «كوبلي» الفرنسية دعماً من صندوق الشركات الناشئة التابع للاتحاد الأوروبي البالغة قيمته 4 مليارات دولار.

ووفقاً لبيانات «بيتش بوك»، فإن المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي قد التزما معاً بضخ استثمارات في الحوسبة الكمية تعادل ضعف ما خصصته الولايات المتحدة.

ويتناقض هذا المشهد الواعد كلياً مع قطاعات ناشئة أخرى مثل الاندماج النووي، حيث يبدو أن أوروبا تكرر فيه السيناريو الذي اعتادت عليه؛ أبحاث علمية قوية، وجهود تجارية ضعيفة.

وتؤكد بيانات الاتحاد الأوروبي أن الباحثين الأوروبيين نشروا مقالات علمية حول الاندماج النووي تفوق ما نشرته الولايات المتحدة. رغم ذلك، لم يتجاوز التمويل الخاص الموجه للشركات الأوروبية بين عامي 2022 و2025 نسبة 20 % من إجمالي التمويلات الأمريكية.

إلا أن التقدم الذي تم إحرازه في المجال الكمي من شأنه أن يسهم في تغيير هذه الصورة النمطية. ويضعف الحجة الشائعة بأن الولايات المتحدة تمتلك ميزة ثقافية فطرية عندما يتعلق الأمر بتأسيس الشركات، فمع توفر الدعم والتحفيز الصحيحين، ستكون أوروبا قادرة على المنافسة بقوة في التقنيات الناشئة الأخرى أيضاً.

وعلى غرار «البت الكمي»، وهو وحدة البناء الأساسية في الحاسوب الكمي، يعيش قطاع الحوسبة الكمية اليوم في حالة من «الوضع الفائق»، ما يعني أن كافة الاحتمالات والنتائج لا تزال ممكنة ومفتوحة. ورغم أن هذا لا يضمن بالضرورة فوز المجموعات الأوروبية بصدارة السباق في النهاية، إلا أنه يمنحها، للمرة الأولى، فرصة حقيقية للمنافسة والصعود.