مجلس تحرير صحيفة «فاينانشال تايمز»

لم تكن القفزة الهائلة التي بلغت 77 % في أرباح الربع الثاني لشركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات «تاسك» كافية لدعم أسهمها، أو أسهم قطاع الرقائق بشكل عام، أو حتى مؤشر «ناسداك 100»، إذ تراجعت جميعها في تداولات، أمس، ورغم أن «تي إس إم سي» تعد الشركة الأكثر أهمية، ويستحيل استبدالها في العالم اليوم، وتعمل بكامل طاقتها، إلا أنه مهما بلغ أداؤها فإن سقف توقعات المستثمرين أعلى بكثير.

عصر استخدام أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي في طلب وصفات لشوربة الدجاج أوشك على نهايته، وهو تحول ينبغي أن يثير قلق كل المستثمرين في هذا القطاع على المدى الطويل، وهذا التحذير يشمل الجميع في عام 2026، بشكل مباشر أو غير مباشر.

على مدار السنوات الثلاث الماضية كانت سردية الاستثمار في هذا المجال تسير وفق سيناريو متكرر، إذ قدمت الشركات المطورة للنماذج الرائدة، مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، خدماتها بأقل من تكلفتها الفعلية في شكل روبوتات الدردشة الموجهة للمستهلكين، وسمح ذلك للمستخدمين باستهلاك السلعة الأكثر ندرة وقيمة في سلاسل الإمداد، وهي «القدرة الحوسبية».

وعاش مستخدمو هذه التقنيات في رغد من الدعم المالي، بينما تولى المستثمرون سداد الفواتير باعتزاز وسعادة، مدفوعين بأرباح دفترية وهمية، تتضخم مع كل جولة تمويل جديدة، وسيتذكر من عاصروا تلك الحقبة تقييمات الشركات القائمة على عدد المشاهدات والنقرات في مطلع الألفية.

وذهبت القيمة الأكبر من هذه الاستثمارات مباشرة إلى جيوب صناع الرقائق الإلكترونية، بوصفهم الطرف الوحيد القادر على جني عوائد فورية من تكنولوجيا تلتهم من رؤوس الأموال أضعاف ما تولده، وقد تستمر على هذا النحو لسنوات مقبلة، ولم يمانع المستثمرون ذلك لاعتقادهم أنه بمجرد انتشار التقنية على نطاق واسع ستحقق شركات تطوير النماذج ومستودعات البيانات أرباحاً أسطورية، وتعيش في رخاء دائم، إلا أن هذه الرواية وصلت إلى طريق مسدود، حيث يتعرض مطورو النماذج إلى ضغوط متزايدة لجني بعض الأرباح من تطبيقاتهم.

وخلال الأشهر الماضية انتقل عدد متزايد من خدمات الذكاء الاصطناعي من نظام الاشتراكات الثابتة إلى التسعير القائم على حجم الاستهلاك الفعلي، وبدأ هذا التحول بمنصة البرمجة «جيت هاب» المملوكة لـ«مايكروسوفت».

ويرى خوان كوريا من شركة «بي سي إيه ريسيرش» للأبحاث أن هذا «التحول الزلزالي» يمثل «نهاية دعم الرموز الرقمية»، الذي أسهم في الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي حتى الآن.

ويقول «بنك أوف أمريكا»، إن الشركات التي تواجه تكاليف باهظة من الذكاء الاصطناعي تنتقل من «تعظيم استخدام الرموز الرقمية» إلى ترشيدها.

وأسفر هذا التحول عن أثرين غير مقصودين، الأول هو القفزة السريعة وغير المتوقعة في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية، التي عادة ما تكون مفتوحة المصدر وأقل تكلفة بشكل ملحوظ، والثاني هو تراجع الإنفاق الإجمالي لكل وحدة استهلاك؛ نظراً لأن النماذج منخفضة التكلفة أصبحت تستحوذ على الحصة الأكبر من الاستخدام اليومي.

خلاصة القول، إن تجارة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ترتكز حالياً على فرضيتين كبيرتين: الأولى هي أن هذا القطاع سيكون مربحاً بالضرورة إلا أن الطفرة التكنولوجية، حتى وإن أدت إلى زيادة هائلة في الإنتاجية، لا تضمن تلقائياً تحقيق عوائد استثمارية قوية.

والفرضية الثانية تتوقع وجود طلب عالمي واسع النطاق في القريب العاجل، وصحيح أن وتيرة التبني كانت سريعة، لكننا لا نزال بعيدين جداً عن ذروتها؛ إذ تشير تقديرات «جولدمان ساكس» إلى أن الوصول لهذه الذروة قد يستغرق 15 عاماً، وهو ما يعد أسرع من متوسط المدة التاريخية البالغة 29 عاماً للتقنيات العامة السابقة، وفي مؤشر مقلق على سوء توجيه الاستثمارات كشفت تقارير هذا الشهر أن شركة «ميتا» تبحث بنشاط عن مشترين لفائض قدرتها الحوسبية، ولن تكون الأخيرة على الأرجح في هذا المسعى.

ولعل الدليل الأبرز على أن الأمور لا تسير على ما يرام في هذه السوق هو الأداء الباهت لأسهم شركات الحوسبة السحابية العملاقة على مدار الأشهر الثلاثة الماضية، والتي بقيت تراوح مكانها دون أي صعود يذكر، برغم أن خططها وإرشاداتها للإنفاق الرأسمالي مستمرة في الارتفاع والنمو الشاهق.

إن الحماس للذكاء الاصطناعي أداة تكنولوجية واعدة يختلف تماماً عن الإفراط في التفاؤل به صفقة استثمارية، وفي الوقت الحالي تبدو الأسواق مدفوعة بالأول ومفتقرة بشدة إلى الأخير.