ريتشارد ووترز

الإنفاق على مراكز البيانات أحد المحركات الرئيسية التي تقود طفرة تاريخية في قطاع تكنولوجيا المعلومات.

والآن، يبدو أن هذا الإنفاق أصبح هو المحرك الوحيد للسوق، مع اشتداد التكالب على موارده التي تزداد ندرة يوماً بعد يوم.

هذه هي القراءة الأقرب للتحذير الذي أطلقته أرباح شركة «آي بي إم»، بعد أن هوت بأسهم الشركة في دوامة هبوط حادة.

وإذا كان الرئيس التنفيذي للشركة، أرفيند كريشنا، محقاً في إلقاء اللوم على قوى السوق الأوسع نطاقاً بدلاً من حصر المشكلة في عثرات شركته. فإن هذا التطور قد يشير إلى مرحلة جديدة من طفرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تقوم على أساس هش ينذر بالتداعي.

استبقت «آي بي إم» موسم الإعلان عن نتائج أرباح قطاع التكنولوجيا للربع الثاني بالكشف عن أن نمو إيراداتها الذي لم يتجاوز 1 % في الفترة الأخيرة. وهو معدل يقل كثيراً عن نسبة 5 % التي كان يتوقعها المحللون.

وأوضحت الشركة العملاقة، المعروفة بلقب «العملاق الأزرق»، أن عملاءها بدأوا الشهر الماضي في تحويل جزء كبير من نفقاتهم المعتادة في تكنولوجيا المعلومات نحو الخوادم وأجهزة التخزين والذاكرة، التي تشهد طلباً هائلاً بفعل طفرة الذكاء الاصطناعي، ما أضر بمبيعات برمجياتها وحواسبها الضخمة التقليدية.

ولم تقف التحديات عند هذا الحد، إذ يبدو أن حالة الذعر الأمني التي أثارها نموذج «ميثوس» من شركة «أنثروبيك» أربكت خطط الإنفاق التكنولوجي للشركات، التي اضطرت للتركيز على مواجهة هذا التهديد السيبراني، ما جعل الأولويات الأخرى تتراجع إلى المقاعد الخلفية.

وتراجع سعر سهم «آي بي إم» بنسبة 25 %، إثر تحذير متواضع نسبياً بشأن الأرباح، يعكس حالة قلق شديد تسيطر على المستثمرين. لكنه يشير أيضاً إلى مخاوف أعمق من أن خريطة الطلب على تكنولوجيا المعلومات تشهد تحولاً جذرياً.

فحتى وقت قريب، لم تكن هناك أدلة ملموسة تذكر تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيزيح مسارات الإنفاق التكنولوجي الأخرى.

وحتى الهبوط الحاد الذي أصاب أسهم شركات البرمجيات، الذي أصبح يعرف بـ«نكبة البرمجيات كخدمة»، كان يعبر في المقام الأول عن مخاوف مستقبلية من أن يقلص الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى البرمجيات الحالية، وليس دليلاً على حدوث ذلك بالفعل في الوقت الحالي.

وكانت مؤسسة الأبحاث التكنولوجية «جارتنر»، بعد الربع الأول من العام الجاري، تفاعلت مع الطفرة الكبيرة في الإنفاق على مراكز البيانات برفع توقعاتها الإجمالية للإنفاق على تكنولوجيا المعلومات لعام 2026، حيث ساد اعتقاد عام بأن الذكاء الاصطناعي سيمثل إضافة إلى الطلب التكنولوجي الإجمالي، بدلاً من أن يؤدي إلى اقتطاعات في مجالات الإنفاق الأخرى.

غير أن تحذير «آي بي إم» الأخير يشير إلى أن الرياح قد بدأت تهب في اتجاه آخر.

وفي ظل هذه المعطيات، يبرز سؤالان جوهريان يشغلان أذهان المحللين في «وول ستريت» مع انطلاق موسم الأرباح الحالي؛ الأول هو إلى أي مدى نجحت طفرة البنية التحتية بالفعل في التهام ميزانيات الإنفاق التقليدي على تكنولوجيا المعلومات في القطاعات الأخرى؟ والثاني هو ما إذا كانت التكاليف المتصاعدة للبنية التحتية ستؤدي لرفع أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي الجديدة والحد من مستويات الطلب عليها.

وفي إطار بحثهم عن ضحايا محتملين آخرين، سارع المستثمرون فور صدور أنباء «آي بي إم» إلى بيع أسهم شركات برمجيات أخرى مثل «سيرفيس ناو» و«أدوبي».

وقد يمتد هذا التأثير السلبي قريباً ليشمل مصنعي الأجهزة الإلكترونية، ﻷن ارتفاع أسعار المكونات الأساسية لأجهزة الكمبيوتر الشخصية وألعاب الفيديو والهواتف الذكية قد يجعل منتجاتهم أقل جاذبية للمستهلكين.

أما بالنسبة للشركات التي ركبت موجة الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن تحذير «آي بي إم» يسلط الضوء على مخاطر جديدة مع اشتداد الصراع على الموارد.

إذ أوضح كريشنا أن عملاء شركته يسابقون الزمن لتوجيه ميزانياتهم نحو معدات الذكاء الاصطناعي قبل أن تدخل الزيادات المتوقعة في أسعار رقائق الذاكرة حيز التنفيذ.

وهذا السلوك الاستباقي ينطوي على نقطتين خطيرتين. الأولى هي أن عامل التوقيت قد يضفي حالة من عدم اليقين والتقلب في الإنفاق الخاص بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فإذا اندفعت الشركات لشراء المعدات قبل اكتمال تشييد مراكز البيانات هرباً من ارتفاع الأسعار، فإنها قد تبطئ إنفاقها في الفترات المقبلة لاستيعاب ما اشترته بالفعل.

وبالنسبة لسوق تترقب بحذر أي إشارة على تراجع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، فإن اعتبارات التوقيت هذه قد تخلق موجة جديدة من التذبذب.

النقطة الثانية هي أن الأسعار المرتفعة ستلتهم حصة متزايدة من ميزانيات الإنفاق الرأسمالي. وكلما تدفقت مليارات إنشاء مراكز البيانات على جيوب مستثمري رقائق الذاكرة بدلاً من زيادة القدرة الحوسبية الفعلية، كلما تراجع المعروض المتاح من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويكشف هامش الربح الإجمالي لشركة «إنفيديا» البالغ 75 % حجم المكاسب الضخمة التي يجنيها صانعو الرقائق، ومثلها شركة «مايكرون» التي سجلت هامش ربح بلغ 83 % في الربع الأخير، ما يزيد على ضعف مستواها قبل عام.

ومع أن التحسينات المستمرة في أداء اﻷجيال الأحدث من مسرعات الذكاء الاصطناعي ورقائق الذاكرة عالية النطاق والتردد قد تعوّض بعض آثار هذا الارتفاع في الأسعار، وتسهم في خفض تكلفة إنتاج «الرموز»، وهي وحدة المخرجات الأساسية للنماذج اللغوية الكبيرة، إلا أن الصراع المحتدم على الموارد الحوسبية سيبقي أسعار خدمات الذكاء الاصطناعي أعلى مما كانت ستؤول إليه، وذلك في وقت يبدأ فيه الطلب العالمي بالتحليق الفعلي.