روبرت أرمسترونج

كشفت أربعة من أكبر خمسة بنوك في «وول ستريت» عن نتائجها المالية؛ وهي: «جي بي مورجان تشيس»، و«بنك أوف أمريكا»، و«سيتي جروب»، و«جولدمان ساكس».

وجاءت الأرقام مذهلة، وهو أمر متوقع في ربع سنوي شهدت فيه الأسواق تقلبات حادة وأبرمت فيه صفقات كبرى.

وبشكل إجمالي، بلغت إيرادات تداول الأسهم وأدوات الدين لدى البنوك الأربعة 38 مليار دولار، بارتفاع تجاوز الثلث مقارنة بالعام الماضي، وبزيادة قدرها 60 في المئة عن مستويات ما قبل عامين.

كما نمت رسوم الصيرفة الاستثمارية بمعدل مماثل تقريباً، لتسجل 10 مليارات دولار خلال هذا الربع.

وقد سجلت أسهم هذه البنوك قفزات استثنائية؛ إذ تضاعفت قيمة أسهم «جولدمان ساكس» و«مورجان ستانلي» و«سيتي غرووب» بأكثر من مرتين خلال الأشهر الأربعة والعشرين الماضية.

ويعد «جولدمان ساكس» انعكاساً مباشراً لحركة السوق، في حين أضاف «مورجان ستانلي» إلى نشاطه قطاعاً ضخماً لإدارة الثروات يرتبط هو الآخر بحركة أسعار الأسهم.

أما «سيتي جروب» فقصته مختلفة قليلاً، إذ ترتبط عملياته الناجحة في «وول ستريت» بنشاط مصرفي متنوع يعاني بعض الاختلالات ويمر حالياً بمرحلة تعافٍ.

في المقابل، يمتلك بنكا «جي بي مورجان» و«بنك أوف أمريكا» عمليات تجارية ومصرفية واسعة للأفراد إلى جانب نشاطهما الاستثماري في البورصة. ورغم أن مكاسب أسهمهما كانت أقل، إلا أنهما نجحا في التفوق على مؤشر «إس آند بي 500».

وقد أصاب الزملاء في زاوية «ليكس» التحليلية كبد الحقيقة حين أشاروا إلى أن الطفرة التي تشهدها «وول ستريت» ليست سوى أثر جانبي لطفرة الذكاء الاصطناعي. فهذه التكنولوجيا هي التي تحرك الأسواق وتدفع الشركات نحو جمع رؤوس الأموال.

وتمثل البنوك هنا نموذجاً آخر لـ «الاتساع الزائف» في سوق الأسهم، وهو الاتساع نفسه الذي دفع بأسهم قطاعي الصناعة والمرافق نحو الصعود خلال السنوات القليلة الماضية.

وكل هذه القطاعات تعيش اليوم على وهج الذكاء الاصطناعي، وقد تذوي معه أيضاً.

وأمام المخاوف من تشكل فقاعة سعيرية، قد يميل مديرو المحافظ الاستثمارية إلى جني الأرباح عبر بيع أسهم بنوك الاستثمار الخالصة، مثل جولدمان ساكس ومورجان ستانلي، بعد أن تضخمت تقييماتها السوقية ووصلت إلى ضعف قيمتها الدفترية، ونقل هذه الأموال لشراء أسهم بنوك أخرى أكثر تنوعاً في أنشطتها التقليدية.

غير أن محاولة التنويع هذه قد تذهب سدى؛ إذ إن حدوث أي تراجع حاد في تداولات الذكاء الاصطناعي لن يكتفي بهز إيرادات الصيرفة الاستثمارية وعوائد التداول فحسب، بل سيؤدي أيضاً إلى تدهور الجودة الائتمانية في العمليات المصرفية التجارية، وتقليص أصول العملاء في وحدات إدارة الثروات.

كما أن تراجع أسعار الفائدة قصيرة الأجل، نتيجة مساعي الاحتياطي الفيدرالي لوقف النزيف وقتها، سينال من هامش صافي الفائدة.

ولن يكون من قبيل المبالغة القول إن البنوك الكبرى أصبحت الآن رهاناً مباشراً صريحاً على الذكاء الاصطناعي.

أما تقرير التضخم الهادئ لمؤشر أسعار المستهلك لشهر يونيو فيعد بمثابة أنباء سارة لكل من يأمل في أن يحجم مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن رفع أسعار الفائدة، لكن الأمور قد لا تكون بالسهولة التي تبدو عليها؛ فهذا الانخفاض الحاد في التضخم ليس سوى «صدى للتاريخ» بحد تعبير رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وارش.

والتاريخ في هذه الحالة يتمثل في تلك النافذة الزمنية القصيرة التي ساد فيها اعتقاد بأن التوترات قد هدأت وأن مضيق هرمز قد فتح بالكامل، وهو أمر لا يبدو مؤكداً اليوم.

لقد تراجع المعدل السنوي العام للتضخم إلى 3.5 في المئة مقارنة بنحو 4.2 في المئة في مايو، وتحول المعدل الشهري إلى النطاق السلبي. وجاء هذا التباطؤ مدفوعاً بهبوط أسعار الطاقة، وخصوصاً الوقود.

رغم ذلك، كان الانخفاض في فئات السلع والخدمات الأساسية ملموساً أيضاً، إذ تراجع مؤشر أسعار المستهلك الأساسي على أساس شهري، ما دفع بالمتوسطات المتحركة طويلة الأجل نحو الانخفاض.

ولا تزال الأسواق تتوقع زيادتين لأسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول أبريل المقبل، وتذهب القراءة التقليدية إلى أن بيانات الأمس منحت الفيدرالي مزيداً من الوقت؛ ورغم أن رفع الفائدة في اجتماع يوليو كان مستبعداً منذ البداية، إلا أن هناك تحولاً واضحاً نحو التشدد داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة.

ويوم الاثنين الماضي، حدد عضو مجلس المحافظين كريس والر خطاً أحمر لاستمرار تضخم الإنفاق الاستهلاكي الشخصي الأساسي فوق مستوى 3 في المئة، في حين يتوقع بنك «جولدمان ساكس» أن تسهم بيانات الأمس في خفض هذا المؤشر الأساسي إلى 3.3 في المئة.

وبناءً عليه، فإن الأمر سيتطلب ما هو أكثر من مجرد تقرير تضخم هادئ واحد لإخراج توقعات رفع الفائدة من الحسابات بشكل نهائي.