سارة أوكونور
على مدار نحو 85 عاماً، بين أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، جابت أوروبا وأمريكا آلة غريبة عُرفت باسم «التركي الميكانيكي»، مستقطبة حشوداً من المتفرجين المذهولين أينما حلت.
وإذا كانت الآلات قادرة على إنجاز كل تلك الأمور المدهشة، فلماذا لا تستطيع لعب الشطرنج أيضاً؟ بعبارة أخرى، فإن الوتيرة المتسارعة للتغير التكنولوجي أوجدت مساحة واسعة لـ«بعض الغموض وكثير من الدجل».
وخلال العقد الثاني من الألفية، كانت منصة «أمازون ميكانيكال ترك» تعتمد على بشر يعملون خلف الكواليس لسد الثغرات في الأنظمة التي بدت مؤتمتة بالكامل، لأن تقنيات الذكاء الاصطناعي آنذاك لم تكن تمتلك الكفاءة الكافية أو التكلفة المنخفضة التي تسمح بأتمتة تلك المهام بالكامل.
غير أن القصة هنا تختلف عن خدعة «التركي الميكانيكي» الأصلية، إذ إن جزءاً كبيراً من العمل على هذه المنصات كان يتمثل في تصنيف البيانات وغيرها من المهام التي تسهم في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي لتعمل باستقلالية أكبر.
فقد أصبحت النماذج اللغوية الكبيرة قادرة على تنفيذ كثير من المهام التي كان يؤديها البشر عبر منصات العمل الجماعي.
وأعلنت أمازون أنها ستوقف استقبال عملاء جدد لمنصة «أمازون ميكانيكال ترك» اعتباراً من 30 يوليو 2026.
وكتب أحد العاملين على منصة «ريديت»: «يبدو أننا، ونحن ندرب هذه الأنظمة، حفرنا قبورنا بأيدينا».
فهل انتهت القصة عند هذا الحد؟ فقد تظاهر البشر بأنهم آلات، ثم دربوا الآلات، قبل أن تصبح هذه الآلات في النهاية غير محتاجة إليهم؟ ليس تماماً.
ولهذا نرى عمالاً في مصانع بالهند يضعون كاميرات مثبتة على رؤوسهم، لتدريب الروبوتات على التفاعل مع العالم البيئة المحيطة بهم.
كما انتقل التدريب إلى مجالات تتطلب خبرات مهنية متخصصة، لهذا تعرض شركات تدريب الذكاء الاصطناعي، مثل «ميركور»، أجوراً تراوح بين 80 و120 دولاراً في الساعة في وظائف مثل «مقيمي المحتوى».
ويطلب من هؤلاء رصد أخطاء العرض والتقديم في الوثائق وجداول البيانات والعروض التقديمية، وتوظيف خبراتهم المتخصصة في تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي.
وأصبح البعض يكتفي بنسخ إجابات من «تشات جي بي تي» ولصقها في استبيانات مفتوحة، فيما يستخدم آخرون وكلاء ذكاء اصطناعي لتنفيذ المهام نيابة عنهم.
وتشمل هذه الوسائل تتبع حركة مؤشر الفأرة. إذ تبدو حركات البشر أكثر عشوائية من حركات الوكلاء الآليين، إضافة إلى إدراج أسئلة خاصة يفترض ألا يعرف الإنسان إجابتها بينما قد يعرفها الذكاء الاصطناعي.
ومن هنا بدأت تنمو صناعة جديدة تعرف باسم «العينات الاصطناعية»، حيث تستخدم النماذج اللغوية الكبيرة لمحاكاة أشخاص بخصائص ديموغرافية وسلوكية مختلفة استناداً إلى بيانات حقيقية، ثم تطرح عليهم الأسئلة للحصول على آرائهم بدلاً من استطلاع آراء أشخاص حقيقيين.