جايا فريديفونت
الجميع بلا استثناء يحتاج إلى الطعام، رغم ذلك، فإن تجربة انتقال محلات الـ«سوبرماركت» عبر الحدود تتم بشكل سيئ، ومجموعة «تيسكو» البريطانية هي الأحدث في قائمة المتراجعين إلى أسواقهم المحلية، إثر تجارب مماثلة، منيت بها «وول مارت» الأمريكية، و«كارفور» الفرنسية.
ويعود هذا الفشل جزئياً إلى أن التحول إلى مزود عالمي لسلع بسيطة كالتفاح مثلاً، يعد أصعب بكثير من بيع قميص يحمل علامة «زارا» الشهيرة في كل دول العالم بالمعايير نفسها، فالتفاوض في أسواق المواد الغذائية مع الموردين، بدءاً من المزارعين المحليين.
وصولاً إلى عمالقة السلع الاستهلاكية مثل «نستله» و«يونيليفر»، يبنى ويدار في كل سوق على حدة، وبشكل منفصل، وهذا يعني أن السوبرماركت، الذي يقرر دخول بلد جديد يجد نفسه مضطراً للبدء من الصفر تماماً، مجرداً من القوة الشرائية الضخمة، التي كانت تدعمه في موطنه الأم، وهو موقف ينطوي على خطورة بالغة بالنظر إلى أن تجارة المواد الغذائية بالتجزئة تعتمد أساساً على حجم الأعمال والانتشار.
علاوة على ذلك يحفل تاريخ محاولات التوسع في عالم السوبرماركت بسلسلة من المحاولات المتعثرة وسوء التقدير، ويكفي هنا تأمل مشروع «فرش آند إيزي» التابع لمجموعة «تيسكو» في الولايات المتحدة، الذي راهن على المتاجر الصغيرة والوجبات الجاهزة في وقت كان يفضل فيه العديد من الأمريكيين الشراء بالجملة، أو تجربة «كارفور» .
ومحاولة بيع سلع الجملة لقاطني الأبراج السكنية شاهقة الارتفاع في اليابان، ممن يملكون مطابخ ضيقة، ويميلون بطبيعتهم لشراء الأغذية الطازجة يومياً، وبكميات صغيرة.
رغم ذلك فإن غرس راية الاستثمار في أراضٍ غريبة ليس مستحيلاً كلياً، غير أن خيار «شراء النفوذ» بالاستحواذ يبدو رهاناً أكثر أماناً وجدوى من محاولة النمو الطبيعي والتدريجي، وهذا تماماً ما فعلته مجموعتا التجزئة الأوروبيتان «أهولد» و«دلهيز» في السوق الأمريكية خلال تسعينيات القرن الماضي، حيث اشترتا سلاسل شهيرة مثل «ستوب آند شوب»، و«جايانت فود»، و«كاش إن كاري»، مستفيدتين من متاجرها القائمة واتفاقياتها المبرمة سلفاً مع الموردين.
وبعد اندماجهما عام 2016 أصبحت مجموعة «أهولد دلهيز» تجني اليوم نحو ثلثي مبيعاتها الإجمالية من الولايات المتحدة، وعلى المنوال نفسه تسللت «كوسكو» إلى السوق البريطانية بهدوء عبر مشروع مشترك مع «ليتلوودز» قبل أن تبسط سيطرتها الكاملة، لتظل أعمالها في المملكة المتحدة صغيرة.
لكنها مستقرة ومستمرة، وتسهم بنسبة 2 % من مبيعاتها العالمية، ولعل السوق الأمريكية لا تزال تتيح فرصاً مماثلة نظراً لطبيعة قطاع البقالة هناك المجزأ نسبياً.
لكن هذا المسار بدوره لا يخلو من العثرات، إذ تبخرت خطط التوسع الأوروبي لمجموعة «وول مارت»، التي بنيت على الاستحواذ على سلسلة «أسدا» البريطانية، وسلسلتين من السوبرماركت في ألمانيا.
وتعرضت الخطط للعرقلة بسبب قوانين التخطيط العمراني الصارمة في المملكة المتحدة التي منعتها من بناء متاجر «هايبرماركت» ضخمة، فضلاً عن تدخل الجهات التنظيمية لمنع استحواذها على سلسلة بقالة «سيفوي»، ناهيك عن الصدامات العنيفة، التي خاضتها مع نقابات العمال الألمانية،
لكن محلات السوبرماركت أصبحت اليوم أكثر ذكاء. ويمكن لبرامج الولاء، مثل بطاقة «كلوب كارد» من «تيسكو» أن تكشف سلوك المستهلكين، وتساعد كبار البيع بالتجزئة على فهم الأذواق المحلية بسرعة أكبر، كما أن البيانات الضخمة عن العملاء تفتح آفاقاً جديدة، مثل مساعدة العلامات التجارية على عرض الإعلانات على المتسوقين المناسبين.
وتتوقع سلسلة متاجر «سينسبري» أن يضيف هذا النشاط الإعلاني الموجه في قطاع التجزئة 100 مليون استرليني إلى أرباحها خلال ثلاث سنوات، لكن الوصول إلى بيانات المستهلكين يحتاج إلى جهد شاق وطويل الأمد.
فقد أمضت «تيسكو» و«سينزبوريز» عقوداً طويلة لفك شفرة المستهلك البريطاني وفهمه، في حين تمتلك «وول مارت» من المعرفة حول المستهلك الأمريكي ما لا يمكن لهاتين المجموعتين أن تأملا بالوصول إليه يوماً ما.
وقد تكون التكنولوجيا قد جعلت محلات السوبرماركت بالفعل أكثر دقة وحصافة، لكنها جعلت بالقدر نفسه «السلاسل المحلية» في أسواقها الأصلية أكثر شراسة وصعوبة في الهزيمة، ومن هنا يبدو قرار تراجع «تيسكو» خطوة حكيمة ومنطقية، فالهيمنة العالمية على قطاع السوبرماركت تظل هجمة بعيدة المنال.