تبدو الأسواق الرأسمالية، اليوم، شديدة التنافسية، بسبب الارتفاع الملحوظ لعوائد الأسواق المتقدمة، واستحواذ إصدارات الأسهم والسندات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على السيولة المتاحة، وقبل عام من الآن، عقب نظام التعرفة الجمركية الصارم، الذي فرضه دونالد ترامب.
وضغوطه، التي مارسها على الاحتياطي الفيدرالي لتيسير سياسته، سعى المستثمرون إلى تنويع محافظهم الاستثمارية للهروب من مخاطر تركز رأس المال في الولايات المتحدة، لكن على النقيض قادت هذه الجهود إلى مزيد من تركز رأس المال في جبهات أخرى،
وأصبح المستثمرون الآسيويون، المدفوعون بفائض تجاري قوي، أكثر انتقائية في توجيه أموالهم نحو الاقتصادات والقطاعات، التي ينظر إليها على أنها أقل حيوية، أو أقل تماشياً مع السياسات الصديقة للسوق.
وبناء على ذلك تدفقت رؤوس الأموال على اليابان وكوريا الجنوبية على حساب اقتصادات كبرى تعتمد على الطلب المحلي مثل الهند وإندونيسيا والفلبين.
ورغم أن اليابان وكوريا تواجهان تحديات ديموغرافية وانكماشاً في أسواقهما المحلية إلا أنهما لا تزالان جاذبتين للمستثمرين، وتعتمد استراتيجيات نموهما على المكاسب المتحققة من رفع كفاءة الإنتاج، والطلب الخارجي على السلع التكنولوجية المتقدمة، التي تمتد من الرقائق الإلكترونية إلى السفن والسيارات.
ويشكل الحفاظ على أسعار صرف تنافسية جزءاً أساسياً من هذا التوجه نحو الخارج، إذ أسهم تراجع الين الياباني إلى مستوى 162 يناً مقابل الدولار، مقارنة بمتوسط 110 ين في عام 2021، في تعزيز التنافسية اليابانية وزيادة أرباح عملياتها الخارجية.
ورغم تدخل بنك اليابان فقد كان إيقاعه وخطواته مدروسة في رفع الفائدة تدريجياً، ما عزز تنافسية الصادرات وانتعاش السياحة.
وفي حين تواجه الأسر المحلية تكاليف استيراد أعلى،إلا أن صافي الأصول الخارجية للبلاد يوفر شبكة أمان، تفتقر إليها الاقتصادات الأكثر تركيزاً على الداخل، فضلاً عما يمثله تحسن حوكمة الشركات من عامل جذب إضافي لليابان.
وتسير أسواق اﻷسهم في كوريا الجنوبية على مسار مشابه، كما أن صادراتها تبدو أكثر تنافسية، وتدفع أرباح شركات تصنيع رقائق الذاكرة، مثل «سامسونغ للإلكترونيات» و«إس كيه هاينكس»، عجلة الاقتصاد إلى الأمام.
وإدراكاً لطبيعة قطاع أشباه الموصلات المتقلبة واعتماد النمو على الصادرات لم تقاوم السلطات ضعف العملة بشكل ملموس، ما ساعد على إكساب الوون الكوري مزيداً من التنافسية، ومنح السياحة ومبيعات التجزئة دفعة قوية. وتدفع كوريا أيضاً نحو إصلاحات حوكمة الشركات، سعياً لترقية تصنيفها إلى مصاف الأسواق المتقدمة.
هذا التفوق لبعض الاقتصادات الآسيوية دفع دولاً أخرى إلى إظهار حزم أكبر لجذب رؤوس الأموال، فالهند، التي طالما حمت سوقها المحلية بتعرفة جمركية مرتفعة على الواردات بدأت تبحث عن مصادر أخرى للنمو، ومعالجة العقبات التي تحول دون الاستثمار في الأسواق المحلية.
وبدأت بالفعل في تحرير التجارة عبر توقيع اتفاقيات تجارة حرة، كالاتفاقية الموقعة مع الاتحاد الأوروبي في يناير، وخفض تعرفة الاستيراد وإن كان ذلك يسير ببطء شديد.
وفي الأسواق الرأسمالية، واستجابة لتدفقات الأموال الأجنبية الخارجة، خفض البنك المركزي تكاليف المقايضة لتشجيع التدفقات الداخلة، كما تم تخفيض الضرائب على الاستثمار الأجنبي في السندات الحكومية، رغم ذلك لا يزال صافي الاستثمار الأجنبي المباشر منخفضاً.
وتواجه إندونيسيا تحديات مماثلة، فرغم امتلاكها رابع أكبر تعداد سكاني في العالم وموارد طبيعية وفيرة كان من المفترض أن تستفيد من صدمة إمدادات الطاقة وبحث المستثمرين عن التنويع.
بدلا من ذلك تبدو الأسواق حذرة تجاه سياسات الرئيس برابوو سوبيانتو، بما في ذلك التوجه نحو مزيد من مركزية الصادرات وبرنامج الوجبات المدرسية المجانية، ويمكن لإندونيسيا استعادة ثقة المستثمرين عبر تبني سياسات أكثر مرونة تجاه السوق، وهو أمر تحتاج إليه بشدة في بيئة استثمارية أصبحت أكثر تنافسية.
أما الفلبين فقد اتخذت خطوات إيجابية لتحرير سوق الطاقة المتجددة، ما جذب المستثمرين إليها، غير أن تداعيات الحرب الإيرانية، إلى جانب فضيحة فساد حكومي، تفرض الآن علاوة مخاطر إضافية، ورغم أن البنك المركزي رفع أسعار الفائدة، إلا أنه سيتوجب عليه اتخاذ خطوات أكبر لتلبية مطالب المستثمرين بالحصول على عوائد أعلى.
وتظل آسيا منطقة ذات فائض رأسمالي نظراً لارتفاع معدلات الادخار في اقتصادات مثل الصين، واليابان، وكوريا، وتايوان، وسنغافورة، ويمكن إعادة تدوير جزء كبير من هذا الرأس المال، وتوجيهه إلى الهند ونظيراتها في جنوب شرق آسيا، والتي تقدم فرصاً للنمو السريع.
وتنويع مخاطر التركز المفرط، لكن لتحقيق ذلك يحتاج المستثمرون إلى الشعور بالثقة في أن عوائد السندات المرتفعة أو تقييمات الأسهم الجذابة ستكافئ المخاطر التي يتحملونها.
وقد ظهرت بالفعل بعض الخطوات في الاتجاه الصحيح، إذ رفع البنك المركزي الإندونيسي أسعار الفائدة لمنح سنداته بعضاً من أعلى العوائد في المنطقة، كما ساعدت تحركات الهند الصارمة لدعم الروبية والسيولة في تعزيز تدفقات الأموال، ليس فقط نحو السندات، بل نحو الأسهم في قطاع الخدمات المالية أيضا.
ومع تطبيق الإصلاحات المناسبة، يمكن للاقتصادات الناشئة في آسيا أن تحظى بمكانة متقدمة على رادار المستثمرين، ولكن حتى مع عودة التدفقات النقدية بحذر، تظل هناك حاجة لمزيد من عوامل الجذب، فالأموال لا تأتي كونها أمراً مسّلماً به.