بقلم: جوناثان ويتلي

الحوسبة الكمية عالم غريب؛ فهي تستغل الفيزياء الغامضة للجسيمات دون الذرية، التي يمكنها اتخاذ مواقف وحالات متعددة في وقت واحد، وتحديد سلوك بعضها البعض عبر مسافات شاسعة.

وتتطلب هذه التقنية من المستثمرين أن يعتادوا على تداول مصطلحات معقدة مثل «الحالة الفائقة»، و«التشابك»، و«الترابط» الكمي. كما أنها تنطوي أيضاً على حسابات مخاطر غريبة جداً، ولكنها هائلة الحجم.

أحد أبرز هذه المخاطر هو التهديد الذي تشكله الحوسبة الكمية على التشفير التقليدي، إذ يعتمد التشفير الحديث على معادلات رياضية بالغة التعقيد تشمل أعداداً أولية ضخمة أو منحنيات بيضاوية.

وهي معادلات تنتج أقفالاً رقمية يسهل إنشاؤها ويصعب جداً فك شفرتها. غير أن الكمبيوتر الكمي قادر، من الناحية النظرية، على اختراق هذه الرموز البرمجية بكل سهولة.

وهذا الأمر يضع عالماً كاملاً من البيانات في مهب الريح؛ ولا يقتصر الخطر على الحسابات المصرفية، والسجلات الصحية، وأسرار الدول فحسب، بل يمتد ليشمل طبقات متتالية من أنظمة التشغيل والعمليات المؤتمتة القابعة في عمق الهياكل الداخلية للشركات. وبعض هذه الأنظمة، في قطاع الروبوتات على سبيل المثال، هي أنظمة قديمة موروثة لا يمكن تحديثها ويصعب استبدالها. وبالمقارنة مع هذا التهديد، فإن «مشكلة عام 2000» (Y2K) الشهيرة كانت مجرد لعبة أطفال.

ولكن، هل يسارع قادة الأعمال للاستعداد لهذا التحدي؟ يبدو أن الأمر ليس كذلك. إذ يفيد مستشارو مؤسسة «بين» (Bain) بأن شركة واحدة فقط من بين كل 10 شركات شملها الاستطلاع في أمريكا الشمالية وأوروبا العام الماضي، لديها خطة ممولة ومحددة للتعامل مع التهديدات المرتبطة بالحوسبة الكمية.

وقد يعود السبب في ذلك إلى أن تكنولوجيا الكم ظلت، لعقود طويلة، من الملفات المؤجلة على قائمة «لنفكر في ذلك لاحقاً». رغم ذلك، فإن الحوسبة الكمية في مراحلها الأولية باتت قيد الاستخدام بالفعل، وهناك شركات تستغلها بالكامل.

فقد استخدمت شركة «بروكتر آند جامبل» بالتعاون مع شركة البرمجيات «ساس» أجهزة كمبيوتر كمية وتقليدية معا لحل مشكلة تتعلق بتخزين المكونات، وهي معضلة تحتوي على احتمالات وحلول ممكنة يفوق عددها عدد الذرات الموجودة في الكون بأكمله!

واستغرق حلها 12 دقيقة فقط، في حين كانت أجهزة الكمبيوتر القوية، إلا أنها تقليدية، ستستغرق 6 ساعات كاملة لإنجاز المهمة نفسها.

رغم ذلك، لا بد من الاعتراف بأن الوصول إلى كمبيوتر كمي «مقاوم للأعطال»، أي جهاز خال من الأخطاء بنسبة مقبولة، لا يزال بحاجة إلى بعض الوقت. ففي حالة شركة «بروكتر آند جامبل»، نجحت تجربة اعتمدت على الكمبيوتر الكمي وحده في حل اللغز خلال دقيقتين، ولكن بنتائج غير موثوقة تماماً.

رغم ذلك، قد يكون الوصول إلى هذا الهدف أسرع مما كان يعتقد في السابق؛ إذ تتوقع شركة «آي بي إم» أن تكون الأجهزة الأولى المقاومة للأعطال متاحة بحلول عام 2030، بينما تظن «غوغل» أن ذلك قد يتحقق بحلول عام 2029.

وتستعد بعض الحكومات والمنظمات حالياً لما بات يعرف بـ«يوم الكم» (Q-Day). ففي الولايات المتحدة، يعمل المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا على تطوير خوارزميات آمنة كمياً.

وقالت شركة «آبل» إنها دمجت تشفيراً آمناً ضد الاختراق الكمي في مجموعة من أنظمتها، وإن كانت لا تعمل إلا عند اتصالها بخوادم داعمة لها. كما بدأت شركة «ألفابت» في نشر «تشفير ما بعد الكمّ» لعملياتها ومنتجاتها الداخلية.

ولكن، تماماً كما تزخر الحوسبة الكمية بمبادئها الغريبة، فإن عالم تمويل الشركات مليء بالأعراف الغريبة أيضا.

فالمستثمرون والتنفيذيون بارعون جداً في وضع قيم مالية لفرص ربح مستقبلية بعيدة المنال، مثل بناء مستعمرات على كوكب المريخ، أو ابتكار ذكاء اصطناعي كلي المعرفة.

لكنهم غالباً ما يخفقون بشكل مخيب للآمال في تقدير وتثمين مخاطر الحوادث غير المؤكدة وغير المسبوقة؛ لذا، فإن الحماس والبهجة بما يمكن أن تحققه الحوسبة الكمية، يجب أن يرافقه خوف صحي ومبرر مما يمكن أن تدمره.