رانا فوروهار

تشكّل الفجوة في الثروة قضية سياسية كبرى بالنسبة للأمريكيين، ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة «غالوب» في مارس، فإن نصف الأمريكيين قلقون «بدرجة كبيرة» من كيفية توزيع الدخل والثروة.

ولعل سبب ذلك هو أن النسبة نفسها تقريباً من السكان لا تملك الموارد الكافية لتحمل تكاليف جميع الاحتياجات الأساسية، مثل السكن والغذاء والدواء والرعاية الصحية.

ولم يؤد اقتصاد الذكاء الاصطناعي القائم على مبدأ «الفائز ينال كل شيء» إلا إلى تفاقم هذه المخاوف. وهذا أحد الأسباب التي جعلت دونالد ترامب يقرع جرس بورصة نيويورك وناسداك في البيت الأبيض الأسبوع الماضي لترويج «حسابات ترامب» الجديدة.

وستمنح هذه الحسابات كل طفل يولد بين يناير 2025 وديسمبر 2028 مساهمة لمرة واحدة بقيمة 1000 دولار من الخزانة، كوسيلة، حسبما قال ترامب في مؤتمره الصحافي، لجعل الكثير من الأطفال «أغنياء جداً جداً».

فهل ستفعل هذه الحسابات ذلك حقاً؟ باختصار، لا. فمع عائد سنوي حقيقي بنسبة 5%، فإن الألف دولار ستصبح نحو 2400 دولار بحلول الوقت الذي يبلغ فيه الطفل 18 عاماً.

وهو مبلغ جيد، لكنه لا يمثل تحولاً جذرياً في مستوى الثروة. ومع ذلك، أعادت هذه الخطوة تسليط الضوء على النقاش المتزايد في الولايات المتحدة بشأن كيفية معالجة فجوة الثروة.

ويؤكد ذلك النقاش الواسع حول ما يسميه بعض المنظرين السياسيين والاقتصاديين «التوزيع المسبق» للثروة مقابل «إعادة توزيعها»، في وقت بلغ فيه عدم المساواة أعلى مستوياته منذ «العصر الذهبي».

ويرغب الاشتراكيون الديمقراطيون والعديد من التقدميين في رؤية إعادة التوزيع، خاصة في شكل ضرائب على الثروة.

بينما يرى المحافظون وبعض الديمقراطيين المعتدلين أن «التوزيع المسبق»، أي منح المزيد من الناس حصة أكبر في أسواق الأسهم وثروات الإسكان مقدماً، بدلاً من الاعتماد على إعادة التوزيع الشامل عبر الضرائب، يمثل نهجاً أكثر فاعلية.

وشخصياً، أعتقد أن مزيجاً من النهجين سيكون ضرورياً للحفاظ على التماسك الاجتماعي في بلد تتزايد فيه المخاوف بشأن اتساع فجوة الثروة.

لكن على المدى القصير، قد يكون التوزيع المسبق أكثر قبولاً من الناحية السياسية. فالولايات المتحدة هي، أولاً وقبل كل شيء، اقتصاد أصول. والأسواق هي التي تقود الاقتصاد وليس العكس. كما أن عدد الأمريكيين المستثمرين في الأسواق أكبر من أي وقت مضى.

رغم ذلك، فإن أعلى 10% من السكان يمتلكون 93% من ثروة الأسهم. وثروة الأثرياء، الذين يحركون جزءاً كبيراً من الإنفاق الاستهلاكي، تؤثر في أسعار قطاعات حيوية مثل الإسكان. وقد يزداد هذا الأمر مع صعود أصحاب الملايين الجدد من قطاع الذكاء الاصطناعي، ما قد يرفع الأسعار بشكل أكبر، خاصة في الأسواق الكبرى.

وإذا قرأنا كتابات توماس بيكيتي وافترضنا أن نمو ثروة الأصول سيفوق دائماً نمو ثروة الدخل، وأن ذلك سيؤدي في النهاية إلى ضغوط سياسية واجتماعية كبرى، فلا بد من التفكير في سبل لإدخال المزيد من الناس إلى السوق بشكل أوسع.

وإلا فقد تتزايد الضغوط الاجتماعية نتيجة اتساع الفجوات الاقتصادية. والسؤال الأساسي هو: ما أفضل طريقة لتحقيق ذلك؟

المساهمات الحكومية التي تدفع لمرة واحدة مع المساهمات الإضافية الطوعية من الأسر قد تؤدي إلى استمرار بعض جوانب عدم المساواة القائمة، إذ تستطيع الأسر الأكثر ثراءً ضخ أموال إضافية في هذه الحسابات.

وقد أظهرت الأبحاث أن هذا التحدي ظهر في تجارب سابقة، مثل «صندوق ائتمان الأطفال» في المملكة المتحدة الذي تم إلغاؤه لاحقاً. ورغم أنه كان مبادرة جديرة بالاهتمام، فإنه لم يكن كافياً لمعالجة عدم المساواة، وفقاً لمعهد الدراسات المالية. وينطبق الأمر نفسه على تجارب مماثلة في كندا وأستراليا.

إن نوع التوزيع المسبق القادر على إحداث فارق حقيقي في معالجة عدم المساواة يتطلب نقلاً طموحاً للأصول الوطنية الإنتاجية إلى شريحة واسعة من السكان، وليس مجرد منح حكومية محدودة أو مساهمات أسرية طوعية.

وهناك في التاريخ أمثلة ناجحة. فإصلاحات الأراضي بعد الحرب في كوريا الجنوبية وتايوان واليابان أنهت معاناة المزارعين المستأجرين وزادت قدرتهم الشرائية، ما ساهم في تنشيط الصناعة وتقليص الفوارق الطبقية.

وفي سنغافورة، تمكنت الدولة من تغيير الواقع الاقتصادي عبر تمليك المنازل لشريحة واسعة من السكان، ما رفع مستوى معيشة الأجيال المتعاقبة. كما يبرز نموذج صندوق ألاسكا السيادي، الذي يوزع أرباح النفط سنوياً على السكان، ما ساهم في خفض معدلات الفقر.

واليوم، فإن أبرز الأصول الإنتاجية القابلة للتوزيع هي الملكية الفكرية والبيانات، التي أصبحت عنصراً أساسياً في ثروة شركات التكنولوجيا الكبرى، خاصة في قطاع الذكاء الاصطناعي الذي يستحوذ على جزء كبير من الاستثمارات الرأسمالية للشركات.

ولهذا يطالب ديمقراطيون معتدلون، مثل حاكم كاليفورنيا جافين نيوسوم، بتبني مفهوم «رأس المال الأساسي الشامل» بدلاً من «الدخل الأساسي الشامل».

ومثل صندوق ألاسكا السيادي، ربما يتحقق ذلك من خلال صناديق ثروة سيادية تكنولوجية، مثل المبادرات المقترحة لتوفير حصة للمواطنين من الثروة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.

وكما لخص نيوسوم الفكرة: «لسنا بحاجة إلى صدقة، بل إلى ملكية حقيقية».

وكانت آخر مرة شهدت فيها الولايات المتحدة هذا القدر من الحديث عن «مجتمع الملكية» في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما دفع جورج دبليو بوش باتجاه توسيع ملكية المنازل.

وانتهت التجربة بأزمة مالية كبيرة، حيث كان المقترضون الأقل قدرة على تحمل المخاطر من بين الأكثر تضرراً عندما ارتفعت أسعار الفائدة على القروض العقارية.

وإذا كان التوزيع المسبق للثروة مقدراً له أن ينجح، فلا ينبغي أن يقتصر على برامج محدودة أو أدوات مالية قصيرة الأجل، بل يجب أن يتعلق بنشر الثروة بطريقة أوسع وأكثر استدامة.