مارتن ساندبو

مع تولي أيرلندا الرئاسة الدورية لمجلس دول الاتحاد الأوروبي، ستكون من أبرز مهامها دفع المفاوضات بشأن ميزانية السنوات السبع المقبلة للتكتل.

وقبل عام، قدمت المفوضية الأوروبية مقترحها الخاص بالإطار المالي متعدد السنوات (MFF) لتوجيه الإنفاق في الاتحاد الأوروبي اعتباراً من عام 2028.

واتخذت المفوضية خيارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في إعادة توجيه هيكل الإنفاق نحو التحديات الجديدة، بعيداً عن نموذج إعادة التوزيع التقليدي المرتبط بالدعم الزراعي والإقليمي طويل الأجل. أما الخيار الثاني فكان الحفاظ على الحجم الإجمالي للميزانية تقريباً عند مستواه الحالي كنسبة من الاقتصاد.

ومنذ ذلك الحين، تطورت المناقشات في اتجاهات متوقعة؛ إذ سعت الدول التي تخشى فقدان مخصصاتها إلى الحفاظ على الهيكل التقليدي للميزانية، بينما طالبت الدول المانحة بمزيد من ضبط الإنفاق.

ونتيجة لذلك، جاءت النسخة الأخيرة من المقترح أقل طموحاً من حيث الحجم والنطاق، مع تراجع المساحة المتاحة للأولويات الجديدة مثل الدفاع والطاقة والتكنولوجيا، رغم اتفاق الجميع على أهميتها.

ووصف الخبير الاقتصادي الإسباني أنخيل أوبيدي الوضع قائلاً إن «الميزانية الأوروبية تعكس توجهاً سياسياً يشير إلى صعوبة قدرة أوروبا على منافسة الصين أو الولايات المتحدة».

ويرجع ذلك إلى استمرار تأثير الاعتبارات التقليدية في الاقتصاد السياسي للميزانية الأوروبية، حيث تتمحور المفاوضات غالباً حول توازنات المساهمات والاستفادة بين الدول الأعضاء.

ومن الصعب تحديد مدى قدرة أيرلندا على قيادة شركائها للخروج من هذا المأزق، رغم موقعها الخاص باعتبارها إحدى الدول المساهمة في الميزانية الأوروبية، وفي الوقت نفسه إحدى الدول التي استفادت تاريخياً من برامج الدعم الزراعي والإقليمي. وقد تكون إعادة صياغة التوافق حول الميزانية مهمة شديدة التعقيد.

وهذا يجعل التفكير في خيارات بديلة أمراً ضرورياً؛ فإذا ثبت أن الميزانية الحالية لا تستجيب بشكل كافٍ لتحديات أوروبا الجديدة، فقد يتم البحث عن ترتيبات مالية أخرى لتحقيق الأهداف المشتركة.

وتظهر التجارب الحديثة أن الاتحاد الأوروبي لجأ خلال هذا العقد إلى آليات تمويل جديدة خارج الإطار المالي متعدد السنوات، بما في ذلك الاقتراض المشترك لدعم برامج التعافي من الجائحة، وبعض المبادرات المرتبطة بالأمن والطاقة. إن محدودية الميزانية قد تزيد الحاجة إلى استكشاف أدوات مالية إضافية. فما المسارات الممكنة؟

أحد هذه المسارات هو إنشاء «ميزانيات جانبية وصناديق للأغراض الخاصة»، وهي أدوات مالية مشتركة خارج الإطار المالي متعدد السنوات. ويمكن لهذه الصناديق.

كما حدث في تجارب سابقة، أن تعتمد على المنح أو القروض المشتركة لتمويل أولويات محددة. كما يمكن للقروض المشتركة أن توفر تمويلاً مباشراً للاتحاد الأوروبي في المجالات التي لا يغطيها الإطار المالي الحالي بشكل كافٍ.

أما المسار الآخر فيتمثل في استخدام الاقتراض المشترك ليس فقط لتمويل الإنفاق، بل أيضاً لتوفير أصول مالية آمنة مدعومة من الاتحاد الأوروبي. ويمكن أن يسهم ذلك في خفض تكاليف التمويل للدول الأعضاء، وتعزيز تكامل أسواق رأس المال الأوروبية، وتحفيز استثمارات القطاع الخاص.

ومن شأن وجود برنامج سندات أوروبي دائم ومدعوم بحجم كبير أن يجذب التمويل العالمي، ويساعد في توجيه جزء من المدخرات الأوروبية الكبيرة نحو الاستثمارات المحلية.

ومن بين الخيارات المطروحة، يبرز مقترح إسباني لإنشاء «تسهيل سيادي أوروبي» يهدف إلى دمج أجزاء من إصدارات الديون المستقبلية للدول الأعضاء، مع توفير آليات تعويض للدول التي تتمتع بشروط تمويل أفضل من سندات الاتحاد الأوروبي. وترى مدريد أن هذا الخيار قد يحقق وفورات مالية كبيرة، تقدر بنحو 25 مليار يورو سنوياً.

كما يمكن أن يدعم هذا النهج هدفين إضافيين؛ هما تعزيز اندماج أسواق رأس المال الأوروبية، وتقوية الدور الدولي لليورو. وقد يكون أحد الإجراءات المكملة هو الاقتراض المشترك لتمويل صندوق ثروة سيادي أوروبي يستثمر في الصناعات المتقدمة والاستراتيجية، وهو توجه بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل في تطويره.

وتواجه هذه البدائل تحديات اقتصادية وسياسية واضحة، لكنها تختلف عن التحديات التي تواجه الإطار المالي متعدد السنوات، إذ تركز على معالجة تحديات مستقبلية محددة بدلاً من إعادة توزيع الموارد القائمة. وقد يساعد ذلك في تقليل الخلافات التقليدية حول حجم مساهمة كل دولة وحصتها من الإنفاق.

وخلافاً للإطار المالي متعدد السنوات الذي يتطلب إجماع جميع الدول الأعضاء، يمكن تشكيل «تحالفات للراغبين» لتنفيذ بعض الحلول البديلة. فقد سبق للاتحاد الأوروبي استخدام ترتيبات مرنة في بعض البرامج، مثل آليات التمويل المرتبطة بدعم أوكرانيا، حيث شاركت بعض الدول في التزامات مالية محددة، بينما حصلت دول أخرى على ترتيبات مختلفة.

إن وجود ميزانية أوروبية أكبر وأكثر طموحاً قد يكون مفيداً للتكتل بأكمله، لكن من الضروري الاعتراف بأن بعض البدائل قد توفر مزايا في مجالات محددة. وكلما أصبح الإطار المالي متعدد السنوات أقل قدرة على تلبية احتياجات أوروبا المتغيرة، زادت الضغوط لتطوير أدوات مالية جديدة.

وقد يمثل ذلك حافزاً لإعادة النظر في الإطار المالي نفسه ومنحه فرصة ليصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.