روبرت باكلاند

جذبت الأسواق الخاصة المستثمرين بفضل عوائدها الأعلى وتقلباتها الأقل، غير أن استرداد الأموال منها غالباً ما يكون أمراً معقداً، ويبدو أن هذه التضحية بالسيولة قد بلغت أقصى حدودها اليوم.

خلال فترتي الثمانينيات والتسعينيات، بدت أسواق الأسهم العامة غير قابلة للهزيمة، إذ منحت المستثمرين عوائد قوية وسيولة سخية، ووفرت للشركات رأس مال منخفض التكلفة وقدرة على الاستحواذ. وكانت «الخصخصة والتحول إلى الأسهم» ظاهرة عامة.

فالحكومات خصخصت قطاعاتها، والشركات التعاونية تحولت إلى شركات مساهمة، وتسابقت الشركات نحو الطروحات العامة الأولية، ولم يكن بمقدور أي فئة أخرى من الأصول منافستها.

ثم هبطت السوق من 2000 إلى 2003، ليكتشف المستثمرون الوجه السلبي للسيولة. فمع تقييم أصول المحافظ الاستثمارية وفقاً لأسعار السوق الجارية بشكل مستمر، أصبحت الخسائر واضحة ومؤلمة.

وتركت تلك التجربة ندوباً عميقة لدى صناديق التقاعد، وشركات التأمين، والمستثمرين الأفراد، والجهات التنظيمية، لتنطلق رحلة البحث عن أصول أقل تقلباً.

وتمثل أحد البدائل في السندات، بينما تمثل البديل الآخر في الأصول الخاصة، والتي قدمت مزيجاً جذاباً يجمع بين توقع العوائد المرتفعة والأداء المالي المستقر في التقارير، في البديل الذي غابت عنه تقلبات التقييم اليومي الحادة. ورغم أن الجانب السلبي تمثل في انخفاض السيولة وصعوبة سحب الأموال. إلا أن كثيراً من المستثمرين كانوا على استعداد لتقديم هذه التضحية للإفلات من التقييم اليومي للمحافظ.

وسارت الشركات خلف الأموال، ووجدت شركات التكنولوجيا الناشئة سريعة النمو التي ستوفر عليها مشقة الخوض في الطرح العام، لتتفادى بذلك متطلبات الإفصاح المرهقة وتقلبات أسواق الأسهم العامة.

أما الشركات العامة الأكثر نضجاً، فقد شطبتها صناديق الأسهم الخاصة التقليدية من البورصات، وتم تعزيز ميزانياتها العمومية بالاعتماد على الديون الرخيصة.

كما أتاحت عمليات إعادة هيكلة أرباح الأسهم للجهات الراعية سحب السيولة النقدية لإعادتها إلى مستثمريها. وفي حقبة أسعار الفائدة الصفرية، تحولت الرافعة المالية إلى بديل جزئي للسيولة.

في هذه الأثناء، كانت أسواق الأسهم العامة تتغير، حيث تدفقت سيولة ضخمة نحو صناديق الاستثمار السلبي، التي تتجنب عادة الطروحات الأولية، وتنتظر حتى تكبر الشركات وتنضج بما يكفي للانضمام إلى مؤشرات الشركات الكبرى.

نتيجة لذلك، تحولت أسواق الأسهم العامة تدريجياً إلى مستودعات للشركات العملاقة القديمة، بدلاً من أن تكون حاضنة للشركات الشابة، لتذبل الطروحات الأولية للشركات التقليدية متوسطة القيمة، بالتزامن مع تراجع مديري الصناديق النشطين الذين كانوا يمولونها تاريخياً.

فصناديق الاستثمار السلبي المهووسة بخفض التكاليف تتيح فرصاً أقل لتحقيق الإيرادات مقارنة بصناديق الأسهم الخاصة أو رأس المال المخاطر التي تتقاضى رسوم إدارة.

إضافة إلى حصص من الأرباح. وبناءً عليه، ضحى المستثمرون بسيولة الأسهم العامة مقابل العوائد المتوقعة الأعلى والتقييمات الأكثر استقراراً للأسهم الخاصة، وظلت الشركات غير المدرجة بعيدة عن البورصة لفترات أطول، لتنمو الأسواق الخاصة وتنكمش الأسواق العامة.

لكن يبدو أن نموذج الأسواق الخاصة هذا بدأ يصطدم بحدوده. فمن ناحية، تبدو متطلبات رأس المال اللازمة لطفرة الذكاء الاصطناعي أضخم بكثير حتى بالنسبة للصناديق الضخمة لرأس المال المخاطر. وفي الأسواق الثانوية، بات المستثمرون أكثر وعياً بحدود السيولة خارج الأسواق العامة، وعندما رغبوا في سحب أموالهم من محافظ الأسهم الخاصة القديمة، وجدوا أنفسهم عاجزين عن ذلك في أحيان كثيرة.

وطرح قطاع الاستثمار حلولاً ذكية للمساعدة، شملت المبيعات الثانوية وصناديق الاستمرار، غير أن هذه الحلول تحمل طابع الهندسة المالية، وتشوبها تضاربات في المصالح، كما تتطلب تدفقات نقدية مستمرة لضمان استدامتها.

ويبدو أن السيولة عادت لتصبح مطلباً مرغوباً من جديد، والأسواق العامة وحدها هي القادرة على توفير السيولة الأولية لشركات مثل «سبيس إكس»، و«أنثروبيك»، و«أوبن إيه آي». ورغم احتفاظ هذه الشركات بخصوصيتها لأطول فترة ممكنة.

إلا أن الطروحات العامة الضخمة الأخيرة كانت حتمية. لأن الإدراج في البورصة يمنح أسهم الشركات قوة أكبر كأداة لتمويل عمليات الاستحواذ، وهو ما تجسد بالفعل في إعلان «سبيس إكس» عن صفقة استحواذ كاملة على شركة «كيرسور» الناشئة لبرمجة الذكاء الاصطناعي.

وأخيراً، حظي مستثمرو الأسهم العامة بإمدادات جديدة من أسهم التكنولوجيا الأمريكية ذات القيمة السوقية الضخمة. وحتى الصناديق غير النشطة، التي كانت تتحفظ تاريخياً على الطروحات الأولية، أصبحت تنخرط في هذا التوجه بالتزامن مع تسريع إدراج هذه الأسهم الجديدة. كما بدأت الشركات العامة الكبرى تتجه للأسواق العامة مجدداً، حيث أصدرت شركة «ألفابت» أسهماً للمرة الأولى منذ عقدين.

رغم ذلك، فإن هذه السيولة الثمينة ليست متاحة للجميع؛ فبالنسبة للشركات المتوسطة الأكثر نضجاً والمتراكمة في محافظ صناديق الأسهم الخاصة، لا يزال سوق طروحاتها الأولية راكداً.

وبالطبع، هناك دائماً مستوى سعري تبدي السوق العامة استعداداً للشراء عنده، لكنه يظل أقل بكثير من المستويات التي ترغب صناديق الأسهم الخاصة في البيع بناءً عليه.

ولا ينبغي لنا أن ننسى أن هذه القوة الخارقة للسيولة لها ثمن؛ فالأسعار ترتفع وتنخفض كل يوم، وهي الحقيقة التي يوشك المستثمرون في القطاع الخاص على إعادة اكتشافها مجدداً.

مستشار أول في شركتي «إنجين آي آي» و«إنفيستا»، والاستراتيجي العالمي الأول السابق للأسهم في مجموعة «سيتي جروب»