بقلم: أورين كاس

عند الدخول في النقاشات المتعلقة بالهجرة غالباً ما يتخلى علماء الاقتصاد عن مصداقيتهم، ويحدث هذا بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بهجرة أعداد كبيرة من العمال غير المهرة، أما جذب أفضل المواهب العالمية فهو مسألة منفصلة تماماً.

المنطق السليم وديناميكيات السوق يشيران إلى أن الهجرة تؤدي إلى تراجع جودة الوظائف للعمال الحاليين، وتضر الخدمات العامة. رغم ذلك فقد تدفقت الحجج المعاكسة من علماء الاقتصاد.

وهو ما يتطابق بشكل مريح مع المصلحة الذاتية لأصحاب العمل المعتمدين على أعداد كبيرة من العمالة الرخيصة، والتقدميين التواقين للتوفيق بين معارضتهم للقيود المفروضة على الهجرة ودعمهم لقوة العمال.

لكن التيار يسير في الاتجاه المعاكس الآن، فعلى جانبي المحيط الأطلسي تكتشف الأحزاب السياسية المنتمية إلى يسار الوسط أن الهجرة غير المنضبطة تشكل تهديداً وجودياً لفرصها الانتخابية، وفجأة أصبح إنفاذ القانون والحد من تدفق المهاجرين على جدول الأعمال، وها هي الحجج الاقتصادية بدأت تتدفق تدريجياً، لتؤكد أن هذا التوجه قد يكون حكيماً بالفعل.

أرجع علماء اقتصاد في بنكي الاحتياطي الفيدرالي في دالاس وسان فرانسيسكو 30 % من الزيادة السريعة في أسعار المساكن في الولايات المتحدة بين عامي 2021 و2024 إلى طفرة الهجرة غير القانونية.

وعندما أشار جي دي فانس إلى هذه النقطة في مناظرة نائب الرئيس لعام 2024، واصفاً الهجرة غير القانونية بأنها «أحد أهم دوافع أسعار المنازل»، تهافت الاقتصاديون لتوبيخه على ما اعتبروه مبالغة مفترضة، لكن يبدو أنه كان على حق.

وقد وفر الاستفتاء الذي أجرته سويسرا في بشأن وضع حد أقصى لعدد السكان سبباً أخرى لإعادة التفكير، فوفقاً لأستاذ الاقتصاد آلان مانينج، فإن الهجرة ليست حلا لمشكلة شيخوخة السكان، والإنفاق عليها يمكن أن يقلل الإنتاجية.

كما وصف أحد قادة الأعمال السويسريين معالجة نقص العمالة من خلال الهجرة بأنها «الحل الكسول»، بينما تأسف آخر لأن «الضغط لتحسين الإنتاجية في قطاعات الصناعة والخدمات قد اختفى».

وهذه النقطة الأخيرة لها أهمية خاصة، فإذا كان أصحاب العمل يعتقدون أنهم سيحصلون دائماً على عمالة وفيرة يسهل استغلالها فلماذا يغيرون نماذج أعمالهم وعملياتهم نحو وظائف أفضل أو يستثمرون في إنتاجية أعلى؟

إن ما يوصف بالوظائف التي لا يقبل عليها الأمريكيون ليس حقيقة مطلقة، بل هو نتيجة مباشرة لاعتماد أصحاب العمل على توفر بدائل جاهزة، ومنخفضة التكلفة.

وتقدم ورقة بحثية جديدة صاغها دارون عجم أوغلو، حائز جائزة نوبل لعام 2024، وزميلاه الاقتصاديان من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ديفيد أوتور وكيلان بيرن، وأندرو سكوت من كلية لندن للأعمال، دليلاً آخر، ورغم أنهم درسوا معدلات المواليد وليس الهجرة فإن نتائجهم تنطبق مباشرة على الأخيرة.

ويفترض الاقتصاديون عموماً أن انخفاض العمالة المتاحة يعني الركود والانكماش، ويسوقون الحجج لصالح مستويات هجرة مرتفعة بناءً على ذلك، لكنّ عجم أوغلو وزملاءه وجدوا العكس تماماً:

«فخلافاً للحكمة السائدة وجدنا أن انخفاض معدلات المواليد أدى حتى الآن إلى نمو أعلى في إنتاجية كل عامل عبر البلدان، ونمو أعلى في الأجور عبر أسواق العمل المحلية في الولايات المتحدة».

ما هو تفسيرهم؟ «التكنولوجيا الموفرة للعمالة نتيجة لندرة العمال الأصغر سناً». ببساطة أدى نقص العمالة المتاحة إلى الابتكار التكنولوجي والاستثمار، ما حافظ على سلامة الاقتصاد، وحسن النتائج للعمال، من خلال تعزيز الإنتاجية والأجور.

ولا تزال هذه الحجج تتطلب مزيداً من البحث، إلا أنها تغير الموقف الافتراضي في هذا النقاش، فلم تعد الفكرة القائلة إن الهجرة الجماعية تحل أزمة السكن من خلال توفير عمال بناء إضافيين مقبولة، ﻷن التدفقات البشرية الضخمة تلتهم المعروض من المنازل قبل أن تسهم في بنائها.

وأصبح على الـ 1,470 اقتصادياً الذين وقعوا رسالة في عام 2017 وقالوا فيها، إن «الهجرة تأتي بعمال شباب يساعدون في تعويض التقاعد واسع النطاق لجيل طفرة المواليد»، أن يقدموا أدلة فعلية لدعم قضيتهم.

وكان السطر الأكثر دلالة في تلك الرسالة هو التأكيد على أنه «في بعض القضايا هناك اتفاق شبه عالمي، وإحدى هذه القضايا تتعلق بالفائدة الاقتصادية الواسعة التي يجلبها المهاجرون إلى هذا البلد».

وهذا الادعاء الجماعي يماثل تماماً فرض الرأي الجماعي، الذي شهدناه لصالح التجارة الحرة عام 2000، خلال الجدل حول انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، فحينها.

وكما شهد وزير الخزانة آنذاك لورانس سمرز، لم يكن لدى الاقتصاديين سوى إجابة واحدة وهي «أن دمج الصين في النظام الاقتصادي العالمي هو الخيار الصحيح للاقتصاد الأمريكي».

ولقد كان التراجع عن هذا الحكم أمراً مهيناً لمهنة الاقتصاد، ففي الشهر الماضي فقط اعترف حائز جائزة نوبل بول كروجمان أنه كان مخطئاً. وكان قد أكد سابقاً أن «الدولة تخدم مصالحها بالسعي وراء التجارة الحرة، بغض النظر عما قد تفعله الدول الأخرى».

ولكن كروجمان يعترف الآن قائلاً: «لقد صدمت ليس فقط بتغير رأيي الشخصي، بل بتغير آراء بعض زملائي، وهم من المدافعين القدامى عن العولمة».

لم نصل إلى هذه المرحلة بعد في نقاش الهجرة، فالوضع يشبه إلى حد كبير حالة خطاب التجارة الحرة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما ظهرت أبحاث أوتور وآخرين حول «صدمة الصين» للمرة اﻷولى.

لكن التاريخ يشير إلى أن أي إجماع دوغماتي «متعصب» لا يمكنه حجب الواقع إلا لفترة محددة، ومن غير المرجح أن تكون السنوات القليلة المقبلة رحيمة بالمؤيدين للهجرة الجماعية كونها سياسة اقتصادية.

محرر مساهم في صحيفة «فاينانشال تايمز» وكبير الباحثين الاقتصاديين في مؤسسة «أمريكان كومباس»