ليو لويس
رئيس مكتب صحيفة «فايننشال تايمز» في طوكيو
وهناك اليوم، بين مختلف الأجيال، جاذبية حقيقية لفكرة اللجوء إلى مكان يوفر ملاذاً من الفوضى، سواء كانت فوضى ملموسة أو معنوية، لكن هل تقدم اليابان جرعة زائدة من هذا الأمر الجيد؟
فعلى المستوى الظاهري، وحتى في تفاصيل أعمق بكثير، تسير الأمور كما ينبغي؛ كل شيء يعمل في موعده، والخدمات تبدو صادقة وبعيدة عن الانتهازية، والمكان بأكمله يوحي بالنظافة والأمان.
وهذه السمات ليست مصادفة، بل ثمرة جهد اجتماعي متواصل للحفاظ عليها. وبالنسبة لمن لا يعيشون في بيئة مشابهة، فإن هذا المستوى من الكفاءة يكاد يبدو أشبه بعالم خيالي ساحر.
فقد ارتفع عدد الزوار الأجانب من أقل من 4 ملايين سنوياً في منتصف التسعينيات إلى ما يقرب من 20 مليوناً قبل عقد من الزمن، ثم تجاوز 40 مليون زائر في عام 2025، ولم يكن ضعف الين سوى عامل مساعد جزئي في هذا النمو.
أما الثقافة الشعبية اليابانية، التي كثيراً ما تقدم باعتبارها إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة للبلاد، فقد جاءت في المرتبة الثانية عشرة فقط، وهو ترتيب قد يبدو مخيباً للآمال. غير أن هذا النجاح لم يأتِ من دون ثمن.
أما عندما يذهب بعيداً أكثر من اللازم، كما في معدلات الإدانة القضائية المرتفعة بشكل استثنائي أو بعض حالات الظلم القضائي الصادمة، فإنه يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الرغبة في النظام قد تجاوزت حدودها المعقولة.
وتأثير النفور من الفوضى له انعكاس أعمق، ففي قطاع الأعمال يتجسد هذا النفور في الحذر المفرط من المخاطر، ورفض شبه غريزي للتغيير الجذري، وتحفظ تجاه ما يعرف بـ«التدمير الخلاق» الذي يطيح بالنماذج القديمة ليفسح المجال أمام الابتكار. وهذه العوامل الثلاثة تعد من أبرز معوقات الابتكار.
أما في الشركات الكبرى، فقد أدى النفور من التعقيدات والفوضى المصاحبة لعمليات الاندماج والاستحواذ إلى تأخير خطير في بناء شركات وطنية عملاقة قادرة على المنافسة في عالم أصبحت فيه الأحجام الكبيرة ميزة استراتيجية متزايدة الأهمية.
وكما يسعى محافظو البنوك المركزية إلى تحقيق معدل تضخم مثالي، أو كما يتغاضى حكام كرة القدم عن بعض المخالفات البسيطة للحفاظ على انسيابية اللعب، فلا بد نظرياً من وجود «منطقة توازن مثالية للفوضى»، بمستوى معتدل، يسمح لدولة بحجم اليابان وأهميتها الصناعية بأن تبقى آمنة ونظيفة ولطيفة، وفي الوقت نفسه مبتكرة وجريئة وقادرة على تحمل المخاطر.
وربما لا يكون من قبيل الصدفة أن عقود الانكماش الاقتصادي في اليابان ترافقت مع نزعة متزايدة إلى تجنب كل أشكال الفوضى والمخاطرة.
أما اليوم، ومع عودة التضخم، فقد بدأت سلبيات هذا النهج المحافظ بالظهور. لقد حان الوقت، ربما، لأن تسمح اليابان لنفسها بقدر بسيط من «تضخم الفوضى».