* إنريكو ليتا
* عميد جامعة IE ورئيس وزراء إيطاليا السابق.
كل بضعة أشهر تضرب أوروبا صدمة جديدة، وكل بضعة أشهر نلجأ إلى الحلول القديمة، نعقد قمة لإدارة الأزمات، وفي نهاية المطاف، نفرج عن حزمة مساعدات طارئة. حلول مؤقتة للحفاظ على الوضع الراهن حتى وصول الضربة التالية. كل استجابة تكون رد فعل، وغالباً ما تكون حتمية، وفي نهاية المطاف لا تجدي نفعاً.
يجب على الاتحاد الأوروبي أن يقر بأننا نمر حالياً بتحول جذري، حيث يعاد تنظيم الاقتصاد العالمي حول تكتلات قارية، تستمد القوة من الحجم ومستوى التكامل وديناميكية الاقتصاد الداخلي. وعلى هذه الخلفية، يجب أن نوضح أن ضعف الاتحاد الأوروبي الرئيسي لا يكمن في نقص المواهب أو رأس المال أو الأفكار، بل في التشرذم.
في عالم يترجم فيه الثقل الاقتصادي مباشرة إلى نفوذ جيوسياسي، تدفع الانقسامات الداخلية في أوروبا بالقارة إلى الهامش في القرارات التي تؤثر على مستقبلها، وتعمق اعتمادنا على الآخرين في الحصول على التقنيات والموارد التي تحتاجها اقتصاداتنا. ويعد هذا التشرذم نقطة ضعف استراتيجية، فيما يدرك منافسو أوروبا هذه الحقيقة بصورة أفضل مما تدركه هي نفسها.
ويظهر ذلك بأوضح صوره في حجم الضرر الذي ألحقته أوروبا بنفسها، في القطاع المالي. فأوروبا لا تعاني نقصاً في المدخرات، لكنها تعاني بصورة مزمنة من العجز عن توظيف هذه المدخرات واستثمارها بفعالية.
عاماً بعد عام، تتدفق ثروات الأسر الأوروبية إلى الخارج لتمويل النمو في أماكن أخرى، وخاصة في أمريكا، بينما تبحث شركاتنا عن رؤوس الأموال في الخارج للتوسع.
وفي الاقتصاد الحقيقي، لا تزال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي متقاربتين في المستوى. إذ يمثل الاتحاد الأوروبي نحو 18 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مقابل نحو 25 % للولايات المتحدة.
لكن في أسواق الأسهم، الفجوة شاسعة. فالشركات الأمريكية تشكل أكثر من 60 % من الأسهم العالمية القابلة للاستثمار، بينما لا تمثل الشركات الأوروبية سوى نحو 10 %.
ليس هذا من قبيل الصدفة. فبعد الأزمة المالية العالمية، جعلت أوروبا الاستقرار أولويتها القصوى، وهذا عين الصواب. لقد أعدنا بناء نظام كان على وشك الانهيار. لقد كان هذا الاستقرار إنجازاً كبيراً، ويجب أن يظل محورا أساسيا في كل ما نقوم به.
رغم ذلك، لا ينتج الاستقرار وحده نظاماً مالياً يحفز النمو. فلا تزال أوروبا تمول نفسها بالدرجة الأولى عبر بنوكها.
وقد صممت هذه البنية التي تم وضعها بعد الأزمة لجعلها أكثر أماناً في المقام الأول، والحفاظ على الاستقرار، والحد من المخاطر، ومنع انهيار آخر. ولا يزال هذا الأمر ضرورياً، لكن هذا الإطار نفسه يؤثر الآن على قدرة الشركات على الإقراض التي تحتاجها اﻻستثمارات والابتكارات والتوسع.
وهذا الإطار التنظيمي لا يحتاج إلى التفكيك، لكنه يحتاج إلى إعادة ضبط بحيث يتمكن النظام المصرفي، من تمويل الاستثمار والابتكار والتوسع أيضاً. ويقدر تقرير حديث أن تبسيط هيكل متطلبات رأس المال المصرفي في الاتحاد الأوروبي قد يتيح ضخ تريليونات إضافية من اليورو في صورة قروض موجهة إلى الاقتصاد الحقيقي.
هذا هو الوعد الذي يحمله مشروع اتحاد الادخار والاستثمار (SIU). فهدفه هو تحويل مدخرات الأسر الأوروبية، وهي المورد الأقل استغلالاً في القارة، إلى استثمارات في مستقبل أوروبا نفسها بدلاً من تمويل مستقبل الآخرين.
ويعني ذلك منح البنوك مساحة أكبر للإقراض، وإنشاء أسواق رأسمال عميقة ومتكاملة بما يكفي لتوجيه الأموال إلى حيث تشتد الحاجة إليها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الضمانات التي تجعل الاقتصاد الأوروبي أكثر مرونة.
فالاقتصاد الذي يمول طموحاته بنفسه ويتقاسم عوائدها يكون أكثر قوة واستقلالية من اقتصاد يصدر مدخراته إلى الخارج ويستورد تبعيته من الآخرين.
معظم مقترحات وحدة التكامل الاستراتيجي معروفة، والعديد منها مطروح بالفعل. ما ينقص هو الإرادة للتعامل معها كخيار استراتيجي واحد، لا كقائمة قضايا يتم التفاوض عليها حتى تتلاشى كل الطموحات تدريجياً.
لهذا السبب يعد التوقيت بالغ الأهمية. ففي هذا الشهر، تولت أيرلندا رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي للمرة الثامنة، مستلهمة شعاراً أيرلندياً قديماً: لا قوة بدون وحدة. وقلما يدرك أحد ما يمكن أن يحققه التكامل أفضل من الأيرلنديين، الذين شهدوا تحول اقتصادهم خلال جيل واحد بفضل الانفتاح والسوق الموحدة.
أمام أيرلندا الآن فرصة نادرة للمضي قدماً في الأجندة الطموحة «أوروبا واحدة، سوق واحدة»، التي اعتمدتها مؤسسات الاتحاد الأوروبي في أبريل. هذه خريطة طريق ذات مواعيد نهائية صارمة لإتمام السوق الموحدة بموجب المعاهدات القائمة. وينبغي العمل عليها بكل جدية وإنجازها بالكامل.
إن الخيار المطروح أمامنا أكثر خطورة مما نرغب في الاعتراف به. إما أن تبني أوروبا قوتها المالية بما يتناسب مع ثقلها الاقتصادي، أو أن تقبل بانحدار بطيء نحو التبعية والتهميش. في عالم مجزأ، الحجم قوة. وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، لا يتحقق الحجم إلا بالوحدة.