ديفيد لوبين*

*زميل باحث أول في برنامج الاقتصاد والتمويل العالمي لدى «تشاتام هاوس»

بعد انتهاء حرب إيران يمكن تصور أن كميات كبيرة إضافية من رؤوس الأموال ستتدفق نحو الاقتصادات الناشئة، وسيصل جزء من هذه التدفقات في صورة «أموال ساخنة»، أي تدفقات مضاربية سريعة الحركة، يمكن عكس مسارها بسهولة، لتتجه إلى أدوات دين قصيرة الأجل، يتم تداولها في أسواق رأس المال بالدول النامية.

ورغم أن لتلك الأموال دوراً بلا شك في النظام المالي الدولي فإن تجاوزاتها معروفة جيداً، فقد عانت الاقتصادات الناشئة، بسببها عقدين من الأزمات المالية المتكررة، خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كما شكلت «نوبة الغضب من تقليص التيسير الكمي» عام 2013 مثالاً على الفوضى، التي يمكن أن تسببها التقلبات الناتجة عن هذه التدفقات.

إن احتمال حدوث دورة جديدة من طفرة في تدفقات رؤوس الأموال ثم انحسارها ينبغي أن يطرح سؤالاً مهماً: هل توجد طريقة أفضل لإدارة هذه التدفقات؟ وهل الاستخدام المدروس لضوابط رأس المال أحد الحلول؟

ويجب التفكير في هذا، لأن جاذبية الأسواق الناشئة أمام المستثمرين، بفضل تحسن جدارتها الائتمانية، ووفقاً لوكالة «ستاندرد آند بورز»، كان 2025 العام الثالث على التوالي، الذي تشهد فيه التصنيفات السيادية ترقيات أكثر من التخفيضات، وهو اتجاه مستمر لم يشهد مثله، منذ سنوات ازدهار السلع الأولية في العقد الأول من القرن الحالي.

ويستند ذلك إلى حقيقة أن مؤشرات الاختلالات الكلية، مثل العجز الكبير في الحساب الجاري أو العملات المقومة بأعلى من قيمتها الحقيقية بدرجة كبيرة، أصبحت نادرة نسبياً، ويرجع ذلك جزئياً إلى إرث نحو عقد من «الاستثنائية الأمريكية»، التي قيدت تدفقات الأموال إلى الدول النامية، إذ كان المستثمرون أكثر ميلاً إلى ملاحقة الفرص في الولايات المتحدة، وقد أدت التدفقات الأقل حجماً إلى تقليل فرص ارتفاع قيمة العملات بشكل مبالغ فيه أو اتساع العجز في الحساب الجاري إلى مستويات غير صحية.

في الوقت نفسه دفعت سنوات الجفاف في تدفقات رؤوس الأموال صناع السياسات في الأسواق الناشئة إلى التحلي بالمرونة والانضباط، فقد تمت إدارة التضخم بدرجة جيدة عموماً، ورغم ارتفاع مستويات الدين العام إلا أنها لا تزال أقل بكثير من مستوياتها في الاقتصادات المتقدمة.

وسيجادل المتفائلون بأن الجهود التي بذلتها الاقتصادات الناشئة خلال العقود الماضية لتكوين احتياطيات من العملات الأجنبية قد منحتها الأدوات اللازمة لحماية نفسها من تقلبات تدفقات رأس المال، فالاحتياطيات تتيح لصناع السياسات بيع الدولارات عندما تهرب رؤوس الأموال، ما يقلل مخاطر انهيار العملة أو التعثر عن السداد عندما تنقلب دورة تدفقات رأس المال ضدهم، لكن قيمة احتياطيات النقد الأجنبي أداة تأمين لا تعتمد فقط على حجمها، بل أيضاً على كيفية تكوينها، فإذا كان تراكم هذه الاحتياطيات ناتجاً عن تدفقات مالية قصيرة الأجل لسوق أذون الخزانة الحكومية، وهي تدفقات يمكن أن تغادر بسهولة، فإن الدولة لا تكون قد اشترت قدراً كبيراً من الحماية، فما يدخل من أموال اليوم قد يخرج بالسرعة نفسها.

إضافة إلى ذلك فإن الاحتفاظ بالاحتياطيات قد يكون مكلفاً، لأن العائد على فائدتها يكون عادة أقل من الفائدة، التي تتحملها الحكومات على السندات المحلية التي تصدرها لتعقيم السيولة، ويمكن النظر إلى هذا «العائد السلبي» باعتباره تكلفة التأمين ضد التقلبات المالية، وهي تكلفة مرتفعة بشكل خاص بالنسبة إلى الذهب، الذي تزداد شعبيته كونه أصلاً احتياطياً، لكن على صناع السياسات أن يسألوا أنفسهم ما إذا كان من المنطقي دفع تكلفة مرتفعة مقابل هذا التأمين في وقت توجد فيه بدائل أخرى.

ومن سمات طفرة تدفقات رأس المال المقبلة أنها ستكون الأولى منذ أن نشر صندوق النقد الدولي «الرؤية المؤسسية» الخاصة به عام 2012، وكانت هذه هي الوثيقة التي أقر فيها الصندوق رسمياً بأن الإجراءات المؤقتة والمحددة للحد من تدفقات رؤوس الأموال الداخلة قد تكون مفيدة أحياناً في إدارة الدورة المالية.

وقد مثّل ذلك نهاية لما يسمى «الأصولية في حساب رأس المال»، أو الاعتقاد الذي روّج له صندوق النقد الدولي، ووزارة الخزانة الأمريكية سابقاً، بأن الرفاه العالمي يتحقق دائماً على أفضل وجه، من خلال حرية انتقال الأموال عبر الحدود دون قيود.

ويمتلك صناع السياسات في الأسواق الناشئة، الراغبون في الحد من تراكم الالتزامات المضاربية قصيرة الأجل، مجموعة خيارات يمكن دراستها، وتشمل هذه الخيارات «متطلبات الاحتياطي غير مدفوعة الفائدة»، مثل نظام «إنكاجي (Encaje)» الذي طبقته تشيلي في تسعينيات القرن الماضي، حيث يجب إيداع جزء من التدفقات الداخلة لدى البنك المركزي لفترة معينة من دون الحصول على فائدة، إضافة إلى ضرائب المعاملات، وفترات دنيا للاحتفاظ بالأصول، ووضع حدود أو حصص لأنواع معينة من التدفقات، أو فرض قيود على حالات عدم التوازن بين أصول وخصومات البنوك بالعملات الأجنبية.

ومن المرجح أن يظل تراكم الاحتياطيات هو الوسيلة الأفضل أمام الاقتصادات الناشئة لحماية نفسها من تقلبات تدفقات رأس المال، لكن التمسك بالأفكار المطلقة قد يكون أمراً خطيراً، ففرض قيود مدروسة على «الأموال الساخنة»، أو ما يمكن تسميته «النهج البراجماتي في إدارة حساب رأس المال»، ينبغي أن يكون جزءاً من أدوات صناع السياسات.