مارثا موير
تضخ شركات الطاقة الأمريكية مبالغ قياسية في بناء محطات توليد الكهرباء وخطوط النقل، لتلبية الطلب المتزايد الناتج عن توسّع مراكز البيانات، وهو ما يثير المخاوف لدى البعض، بشأن احتمال تحميل هذه التكاليف للمستهلكين.
ووفقاً لتقديرات بنك «جيفريز» الاستثماري، يُتوقع أن يبلغ الإنفاق الرأسمالي لشركات المرافق 212.1 مليار دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 22.3% على أساس سنوي، وبنمو يصل إلى 129%، مقارنةً بالمستويات المسجلة قبل 10 سنوات. كما يُرجَّح أن يرتفع الاستثمار إلى مستوى قياسي جديد في عام 2027، ليصل إلى 228.1 مليار دولار.
وقال جوليان دومولين-سميث، محلل شؤون المرافق العامة والطاقة النظيفة لدى مؤسسة «جيفريز»: «تستثمر الشركات حالياً في التوليد والنقل، بهدف إعادة إحياء التصنيع داخل الاقتصاد. وفيما شهدنا على مدى العقود القليلة الماضية ندرة نسبية في الاستثمارات الجديدة، فإننا الآن أمام تحول حقيقي وملموس، ونتوقع ارتفاعاً حاداً في وتيرة الاستثمار، في ظل تسارع انتشار مراكز البيانات».
وبينما يمكن أن يؤدي نمو مراكز البيانات إلى ازدهار اقتصادي، فقد بدأت الشركات والجهات التنظيمية والحكومات في مختلف أنحاء البلاد، تدرك حجم الإنفاق الرأسمالي الهائل المطلوب لبناء البنية التحتية التي تدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي، في ظل ضغوط متزايدة للحفاظ على استقرار فواتير المستهلكين ومنع ارتفاعها.
إذا ما قامت مراكز البيانات بتمرير التكاليف إلى الأسر والشركات الصغيرة، فقد تواجه اعتراضات على خطط توسّعها، في حين قد تُضطر شركات المرافق إلى أن تكون أكثر انتقائية في استثماراتها. وقال نيكولاس كامبانيلّا، محلل قطاع الطاقة والمرافق في الولايات المتحدة في «باركليز»: «أكبر مخاطر القطاع على المدى الطويل، والتي تثير قلقي، هي القدرة على تحمل التكاليف. ومنذ جائحة كوفيد، ونحن نرصد زيادات في فواتير طاقة المستهلكين بمعدل 10% سنوياً تقريباً. وسيأتي وقتٌ يطالب فيه أصحاب المصلحة، من سياسيين ومدافعين عن المستهلكين وهيئات تنظيمية، بالتدخل لمعالجة هذا الوضع».
وتوقّع تقرير صادر عن مجموعة الاستشارات «أي سي إف»، أن يرتفع الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة بنسبة 25% بحلول عام 2030، وبنسبة 78% بحلول عام 2050، مقارنة بمستويات عام 2023. كما يُتوقّع أن ترتفع أسعار الكهرباء للمساكن بما يتراوح بين 15% و40%، وذلك وفقاً لعينة شملت أربع مناطق خدمية لمرافق الكهرباء.
ومن بين الحلول البديلة لتوفير الطاقة لمراكز البيانات دون تحميل دافعي الضرائب أعباء إضافية، أن يسهم مطوّرو مراكز البيانات «الضخمة» -مثل أمازون ومايكروسوفت وميتا -في تمويل استثمارات شركات المرافق، سواء عبر الدفع المباشر، أو من خلال رسوم خاصة مفروضة عليهم. وقال بوب فرينزل الرئيس التنفيذي لشركة «إكسل إنرجي»: «سواء اضطررنا لبناء محطة فرعية لهم، أو تمديد خط نقل كهرباء، فإننا نفرض التكاليف مباشرة على مراكز البيانات مقابل تلك الخدمات».
من جهته، قال جوستافو جارافاجليا المدير المالي لشركة «إيه إي إس يوتيليتيز»: «المبدأ الأساسي الذي نسترشد به، هو ألّا يتضرر العملاء من إنشاء مراكز البيانات الجديدة. ولدينا بنود في عقودنا تحمينا، مثل الفترات الزمنية الدنيا للعقود، كما تلتزم هذه الشركات باستهلاك كميات محددة من الطاقة شهرياً».
وفي شهر مارس، اقترحت شركة «دومينيون إنرجي»، في ولاية فرجينيا، والتي تضم أعلى كثافة من مراكز البيانات في الولايات المتحدة، وضع هيكل تسعيري جديد لمستهلكي الطاقة الذين تتجاوز احتياجاتهم 25 ميغاواط، مع اشتراط تعاقد لمدة لا تقل عن 14 عاماً للمستخدمين الجدد ذوي الأحمال العالية.
ويعد تحديد حجم الاستثمارات المطلوب تنفيذها، والطرف الذي يتحمّل تكلفتها، تحدّياً بالغ التعقيد. فعند تقديم شركات التكنولوجيا الضخمة عروضها لأكثر من شركة مرافق في الوقت نفسه، فإنّ التوقّعات بشأن الطلب قد تكون مبالغاً فيها.
وقال تود سنيتشلر رئيس رابطة مورّدي الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة: «عندما تتواصل هذه الشركات مع أربع أو خمس شركات مرافق في آنٍ واحد، فإنّ كل شركة تفترض أنّها ستفوز بالمشروع، وتدرجه ضمن خطتها الاستثمارية، لكن إذا كان الهدف هو التوفيق بين العرض والطلب بطريقة لا تؤدّي إلى تحميل المستهلكين تكاليف زائدة، فعلينا أن نحسن إدارة هذه المسألة».
ويجري التخطيط لبناء بعض مراكز البيانات، بجوار مصادر توليد الكهرباء القائمة فعلاً، وهو ما يُقلّل من الحاجة إلى ترقية شبكات النقل، لكن في المقابل، قد يُؤدّي ذلك إلى الحاجة لإنشاء بنى تحتية جديدة في مواقع أخرى على الشبكة، وهي جوانب يصعب التنبّؤ بها بدقة.
وقالت أستريد أتكينسون الرئيسة التنفيذية لشركة «كاموس» المتخصصة في برمجيات إدارة الشبكات: «ليس من السهل دائماً تحديد الجهة المسؤولة عن كل جزء من البنية التحتية. وأعتقد من الناحية النظرية، أنّ معظم الناس يتفقون على أنّ من يتسبّب في الحاجة إلى تطوير أو توسيع الشبكة، يجب أن يتحمّل تكلفة ذلك. لكن عندما يكون هذا التوسع مطلوباً في ولاية أخرى، أو اثنتين، يصبح الحديث أكثر تعقيداً».
ويرى بعض خبراء القطاع أن الأسعار المنخفضة للطاقة خلال السنوات الماضية، كانت سبباً في تعريض أصول التوليد للإغلاق. وقال دان إيغرز المدير المالي لشركة «كونستليشن إنيرجي»: «لقد تمتّعنا لفترة طويلة برفاهية الطاقة الرخيصة للغاية. وقبل بضع سنوات، كنّا مهدّدين بإغلاق أصول نووية قيّمة، لأنّ الأسعار كانت منخفضة لدرجة لا تُمكّنها من الاستمرار في العمل. وهؤلاء العملاء الجدد يستهلكون الكهرباء على مدار العام، وإذا استطعنا الاستفادة من ذلك لرفع معدلات استخدام الشبكة الكهربائية، فسيكون ذلك أمراً إيجابياً».
ولا تقتصر الاستثمارات في أصول الكهرباء على شركات المرافق العامة، إذ يضخّ مطوّرون من القطاع الخاص مبالغ كبيرة في مشروعات التوليد والنقل. ومن أبرز هذه المشاريع، خط «غراين بيلت إكسبرس»، الذي تنفّذه شركة «إنفينيرجي»، والذي يمتد لمسافة 800 ميل، بقيمة 11 مليار دولار، والذي يمرّ عبر ولايات كانساس وميزوري وإلينوي وإنديانا.
ويقول المطورون إنهم يموّلون هذه المشروعات، من خلال فرض رسوم على شركات المرافق، إلى جانب الاستدانة، وجمع رؤوس الأموال، والحصول على قروض حكومية، وبالتالي، فإن المخاطر تقع على عاتقهم هم. لكن هذا النموذج التموّيلي قد يجعل من الصعب تبرير الإنفاق الرأسمالي المطلوب. وقال شاشانك ساين، الذي يتولى إدارة أعمال النقل في شركة «إنفينيرجي»: «نحن مضطرون إلى إعداد حزمة اقتصادية لكيفية تمويل هذا الخط، لأننا لا نمتلك قاعدة عملاء نشطة نديرها حالياً».
