آدم توز

ما الأسس التي يقوم عليها نظام الدولار الأمريكي، وكيف سيتطور؟ في وقت تحتفل فيه الولايات المتحدة بذكرى 250 عاماً على الاستقلال، فإن القدرة على تقديم إجابات واقعية عن هذه الأسئلة تظل مشوشة بسبب الكثير من الأساطير.

فمن الشائع، على سبيل المثال، ملاحظة أن الدولار حل محل الجنيه الاسترليني كعملة احتياطية للعالم منذ الحرب العالمية الثانية. ولكن إذا كان هذا صحيحاً، فذلك لأن نظام الدولار تمت إعادة ابتكاره مراراً وتكراراً، حيث يمر اليوم بمرحلة جديدة ومتقلبة، تختلف تماماً عما كان عليه الوضع قبل 15 عاماً، ناهيك عن أربعينيات القرن الماضي.

إن التحدث عن «عملة الاحتياط» في حد ذاته قد ينطوي على مغالطة زمنية؛ فالاحتفاظ باحتياطيات ضخمة من العملات لم يكن أمراً شائعاً قبل عام 1945، إذ كان «نظام الغطاء الذهبي» هو السائد.

ومنذ عشرينيات القرن الماضي، كان يتم الاحتفاظ بالجنيه الاسترليني والدولار في خزائن البنوك المركزية كخيار ثانٍ فقط، فالذهب كان هو الملك. وفي ظل نظام «بريتون وودز» بعد الحرب العالمية الثانية، تم الاحتفاظ بالدولار كعملة احتياط إلى جانب حقوق السحب الخاصة بصندوق النقد الدولي، لكن تلك الدولارات كانت مدعومة بالذهب.

ولم يخض العالم تجربة العملات الورقية غير المدعومة (العملات الإلزامية) إلا عندما رفع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الغطاء الذهبي عن الدولار عام 1971. وترسخ تسعير النفط بالدولار تدريجياً منذ سبعينيات القرن الماضي، وبدأ الدولار في التحول إلى العملة الاحتياطية العالمية الأبرز خلال تلك الفترة، بعد انهيار نظام «بريتون وودز».

ولم يتم التخطيط لنظام ما يسمى «بريتون وودز 2.0» في واشنطن، بل تبنته الأسواق الناشئة في أواخر التسعينيات كنوع من التأمين الذاتي للحماية من مخاطر الأزمات المالية.

وكانت الصين، على وجه الخصوص، هي التي ربطت سعر صرف عملتها بالدولار وبدأت في تجميع احتياطيات رسمية ضخمة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ما منح الولايات المتحدة ميزة استثنائية لتمويل عجزها المزدوج (في الحساب الجاري والميزانية الحكومية) عبر تمويل رسمي ومستقر.

وبعد مرور 15 عاماً، وتحديداً في منتصف عشرينيات القرن الحالي (2026)، لا يزال هذا النموذج هو المرجع لمعظم النقاشات حول «مستقبل الدولار»، رغم أنه لم يكن يوماً هو المعيار التاريخي. وبحلول منتصف العقد الماضي، كان نظام «بريتون وودز 2.0» في شكله الأصلي قد انتهى بالفعل؛ ففي عام 2015 تقريباً، تباطأ تراكم الاحتياطيات الجديدة بقيادة الصين.

ومنذ ذلك الحين تحول ميزان العملات المختلفة داخل سلة الاحتياطيات ببطء ضد الدولار، لكن الحقيقة الأكثر أهمية هي أن تراكم الاحتياطيات الجديدة قد استقر وتوقف عن النمو.

رغم ذلك، لا يزال العجز المزدوج لأمريكا مستمراً. ولكن كيف يتم تمويله إذا لم يكن ذلك عبر تراكم الاحتياطيات الرسمية؟ يتم ذلك جزئياً من خلال حيازات غير معلنة للاحتياطيات في الميزانيات العمومية للبنوك الحكومية الصينية، وقبل كل شيء، من خلال المستثمرين الأجانب من القطاع الخاص الذين يشترون الأصول الأمريكية.

ومنذ منتصف العقد الماضي، شكلت الأسواق المالية الأمريكية عامل الجذب الرئيسي؛ فالاقتصاد الأمريكي غير المتكافئ (الذي يتخذ شكل حرف K) يمثل بؤرة الجذب للرأسمالية العالمية.

وخلافاً للمرحلة الكلاسيكية لنظام «بريتون وودز 2.0»، فليست الصين هي من يقود الطريق الآن؛ فمنذ عام 2015 فرضت بكين ضوابط صارمة على رأس المال تحجز ما بين 50 إلى 60 تريليون دولار في الحسابات المصرفية الصينية خلف جدار مالي عازل.

ولكن تراكم الاحتياطيات الرسمية شيء، والنزوح الجماعي لرؤوس الأموال الخاصة من الصين شيء آخر تماماً. واليوم، يتم تمويل العجز الأمريكي عبر تدفقات رؤوس الأموال القادمة من أوروبا، وكوريا الجنوبية، وتايوان، واليابان.

فماذا يمكن أن نسمي هذه المرحلة الأخيرة من نظام الدولار؟ هل نسميها «بريتون وودز اللقيط»؟ أم «دولار صناديق التحوط»؟ بالنظر إلى الدور الضخم لهذه الصناديق في أسواق سندات الخزانة. يبدو هذا الاسم مغرياً، لكن صفقات القيمة النسبية تبدو تقنية ومعقدة للغاية بحيث لا يمكنها اختزال جوهر هذا العصر.

وخلال مناقشة هذا السؤال في بكين مع زميل صيني متخصص في الاقتصاد السياسي الماركسي، أشار إلى أن جودة أي نظام نقدي تتحدد في النهاية من خلال العلاقات الطبقية التي تدعمه.

وفي ضوء هذا التفكير، ربما يكون الوصف الأفضل للعصر الحالي هو «دولار المليارديرات» تكريماً للرئيس دونالد ترامب وإثراء ذاته. أو ربما ينبغي أن يكون «دولار التريليونيرات» تيمناً بإيلون ماسك والطرح الأولي لشركة «سبيس إكس»، والذي أعاد تعريف معايير الثروة.

على أية حال، المؤكد في هذه النسخة الحالية من نظام الدولار، أن أي شخص يقلق كثيراً بشأن العجز المالي المزمن لأمريكا سيبدو منفصلاً عن الواقع؛ فنحن لم نعد في فترة تسعينيات القرن الماضي.

وإذا كان الأمر كذلك، فقد حان الوقت للتوقف عن وصف الدولار بأنه «عملة احتياط»، بكل ما يحمله هذا الوصف من دلالات تقليدية ترتبط بخزائن البنوك والنزاهة والصلابة.

إن عملة أمريكا اليوم هي، قبل كل شيء، وعد بالسيولة، وأداة لتراكم رؤوس الأموال الضخمة والمطلقة؛ إنها «دولار الأرباح».