جينيفر هيوز
لم يتردد المستثمر الشهير وارن بافيت يوماً في السباحة عكس التيار، واليوم، يشير انخفاض عدد الشركات التي تلجأ إلى تجزئة أسهمها إلى أن الرؤساء التنفيذيين بدأوا يتبنون رؤيته الراسخة منذ وقت طويل بأن هذه الخطوة ليست سوى حيلة لا طائل منها.
كما يسهم تطور التكنولوجيا والتعديلات التنظيمية في تفكيك عقود من الأعراف المؤسسية السائدة، في وقت بدأت فيه سيكولوجية السوق تتأثر بوضوح أيضاً، إذ أصبحت الأسهم باهظة الثمن رمزاً للمكانة المرموقة.
وعلى غرار استبدال ورقة نقدية من فئة العشرين دولاراً بورقتين من فئة العشرة دولارات فإن مجرد تقسيم أسهم الشركة القائمة إلى فئات أصغر لا يغير من قيمتها الرأسمالية في شيء.
وقد دفع رفض بافيت العنيد لتجزئة أسهم شركته «بيركشاير هاثاواي» من الفئة (أ) بسعر السهم الواحد ليتجاوز حاجز 760 ألف دولار، رغم أن أسهم الفئة (ب) التي طرحت عام 1996 لتسهيل وصول صغار المستثمرين للشركة تباع بسعر يقارب 500 دولار.
ولطالما كانت التجزئة ممارسة شائعة ومحبذة خصوصاً في الأسواق الأمريكية، ويرجع ذلك جزئياً إلى دورها في رفع أحجام التداول، وتقليص الفوارق بين أسعار البيع والشراء.
وداخل مجالس الإدارات اعتبرت التجزئة لفترة طويلة بمثابة إشارة ثقة من الإدارة في آفاق الشركة المستقبلية، حيث أظهرت الدراسات السوقية أن تقسيم السهم يمنحه قفزة فورية تقارب 3 % في المتوسط، ولا يزال المتداولون يأملون في تحقيق الأرباح عبر اقتناص الشركات المرشحة للقيام بهذه الخطوة.
رغم ذلك فمنذ عام 2021 عندما سجلت الأسهم العالمية آخر تراجع حاد لها، لم يتجاوز متوسط عدد الشركات التي جزأت أسهمها 56 شركة سنوياً، رغم رالي الصعود القوي، الذي تشهده السوق، ويمثل هذا الرقم تراجعاً لافتاً مقارنة بمتوسط 76 شركة في السنوات التي سبقت ركود عام 2021، وفقاً لبيانات مؤسسة «وول ستريت هورايزون».
وخلال النصف الأول من عام 2026، الذي يمثل عادة الفترة الأكثر نشاطاً في العام، أقدمت 37 شركة فقط على تجزئة أسهمها، وهو الرقم نفسه المسجل في الفترة المقابلة العام الماضي.
وقد لعبت التعديلات التنظيمية دوراً في هذا التحول، ففي السابق كان يتم تداول الأسهم المدرجة في الولايات المتحدة في مجموعات كاملة من 100 سهم فقط، ما يعني أن الأسهم ذات الأسعار الشاذة كان يتم تداولها غالباً في مجموعات فردية.
والتي كانت رسوم معاملاتها أعلى نظراً لصعوبة التعامل معها، لكن منذ نوفمبر الماضي تم تطبيق نظام جديد يضم 4 مستويات، حيث تقتصر حزم الـ 100 سهم على تلك اﻷسهم، التي يقل سعرها عن 250 دولاراً فقط.
رغم ذلك يظل التطور التكنولوجي هو المحرك الأكبر فمع صعود ظاهرة «الأسهم الكسرية»، التي تتيح شراء أجزاء من السهم الواحد، أصبح من غير المهم أن يتم تداول سهم شركة «ألفابت» (مالكة جوجل) عند مستوى 350 دولاراً مثلاً، إذ أصبح بإمكان المستثمر شراء حصة منه بقيمة 100 دولار بكل سهولة وسلاسة.
وكان يعتقد سابقاً أن المستثمرين الأفراد يفضلون الأسهم ذات القيمة المنخفضة لأنها كانت تعتبر أكثر قابلية للارتفاع، لكن حتى خلال العقود، التي حافظت فيها إدارة عدد الأسهم بعناية على متوسط أسعار الأسهم عند 35 دولاراً تقريباً، أظهرت الدراسات أن أكبر الشركات كانت تفضل تداول أسهمها عند نحو 50 دولاراً، وهذا يشير إلى تحيز نحو السعر كونه مؤشراً على الجودة.
وإذا لم يعد السعر المرتفع يشكل عائقاً أمام المستثمرين فمن المنطقي أن تمنح الأرقام الكبيرة جاذبية ومكانة إضافية للشركات، وفي هذا السياق تدور التكهنات حالياً حول شركة «سانديسك» المتخصصة في ذاكرة الفلاش، التي حلقت أسهمها مؤخراً لتتجاوز حاجز الـ 2,000 دولار.
وتضم قائمة مؤشر «إس آند بي 500» الآن 14 شركة يتم تداول أسهمها فوق مستوى 1,000 دولار، بما في ذلك عملاق الصيرفة «جولدمان ساكس» وشركة الأدوية «إيلي ليلي».
وكان عملاق الرقائق «إنفيديا» قد قسم سهمه بنسبة 1 إلى 10 قبل عامين عندما اقترب من حاجز الألف دولار، بينما تجاوز سهم «جوجل» عتبة 2,500 دولار قبل تجزئة السهم الواحد إلى 20 سهماً عام 2022.
ويبدو أن فلسفة وارن بافيت بشأن تجزئة الأسهم أصبحت تحظى برواج واسع اليوم، لكن لأسباب تختلف عن التي كان يدافع عنها، فبينما لا تعكس أسعار الأسهم المرتفعة بالضرورة قيمتها الحقيقية، لا يمكن لوم الشركات لرغبتها في استقطاب شريحة واسعة من المستثمرين الذين يربطون دائماً بين الأرقام الفلكية والنجاح المطلق.