أصبح من الواضح أن المحرك الهادئ والقوي لصناعة السيارات الألمانية يواجه تعثراً، إذ تخطط شركة «فولكس فاجن»، ثاني أكبر صانع للسيارات في العالم، لوقف الإنتاج في أربعة من مصانعها وشطب ما يصل إلى 100 ألف وظيفة.

هذا البرنامج، الذي يُعد واحداً من أكبر عمليات تقليص العمالة في تاريخ شركات السيارات، يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الصناعة الألمانية على إعادة هيكلة نفسها لمواكبة عصر السيارات الكهربائية، ومواجهة ما يمكن تسميته بـ«الصدمة الصينية الثانية».

وقد بدأت ملامح هذه الضغوط تتضح عام 2024، عندما حذرت «فولكس فاجن» من حاجتها لإلغاء آلاف الوظائف وإغلاق ثلاثة مصانع في ألمانيا.

ورغم أن المفاوضات الشاقة مع النقابات العمالية في ديسمبر من ذلك العام أسفرت عن الاتفاق على شطب 35 ألف وظيفة دون إغلاق أي مصنع، إلا أن الرسوم الجمركية الأمريكية، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتدهور الأوضاع في السوق الصينية، جعلت تلك الخطوات غير كافية.

وفي مارس، رفعت الشركة عدد الوظائف المشطوبة بحلول عام 2030 إلى 50 ألفاً، لكن المعطيات الحالية تشير إلى احتمال مضاعفة هذا الرقم.

وما لم يتم الوصول إلى الحد المستهدف من خفض التكاليف، فإن الإدارة تلوح بإغلاق أربعة مصانع، علماً أن اثنين منها خضعا بالفعل لعمليات تحويل مكلفة لإنتاج السيارات الكهربائية.

كانت الصين ولسنوات طويلة سوقاً مربحة لـ«فولكس فاجن» ونظيراتها الألمانية، إلا أن المنافسين الصينيين تمكنوا من تحقيق قفزة تكنولوجية هائلة في السيارات الكهربائية.

ورغم أنهم استفادوا من دعم حكومي سخي وعمالة منخفضة التكلفة، إلا أنهم أدركوا أيضاً، وبسرعة تفوق الشركات التقليدية، أن مشتري السيارات الكهربائية تستهويهم البرمجيات وأنظمة الحوسبة المتطورة أكثر مما تبهرهم الهندسة الميكانيكية.

وتشكل حالة «فولكس فاجن» نموذجاً خاصاً؛ إذ تفاقمت مشكلتها بسبب إخفاقات إدارية متكررة. فبعد فضيحة انبعاثات الديزل «ديزل غيت» عام 2015، أطلقت الشركة واحداً من أول برامج السيارات الكهربائية وأكثرها تمويلاً.

إلا أنها تأخرت كثيراً في طرح طرازاتها، ثم لم تحظ بقبول المستهلكين عند طرحها في الأسواق. ويرجع ذلك جزئياً إلى الإخفاق الكارثي للشركة في محاولاتها الأولية لتطوير برمجيات السيارات الكهربائية داخل الشركة.

علاوة على ذلك، يسهم هيكل الملكية في الشركة في ترسيخ مقاومة التغيير الجذري، حيث يمثل الحفاظ على الوظائف أولوية قصوى لحكومة ولاية ساكسونيا السفلى، التي تمتلك 20 % من حقوق التصويت، وغالباً ما تصطف إلى جانب مجلس العاملين في الشركة، الذي يستحوذ بدوره على نصف مقاعد مجلس الإشراف.

رغم ذلك، ظلت «فولكس فاجن» تجسد النموذج الألماني القائم على براعة التصنيع الموجه للتصدير، بالتوازي مع توفير أفضل الظروف لرفاهية الموظفين، بآلية الإدارة المشتركة بين النقابات وأصحاب العمل.

وأن يتعثر هذا النموذج بهذه السرعة، فقبل جائحة كورونا كانت تستهدف إنتاج 12 مليون سيارة سنوياً، مقارنة بخططها الحالية لتقليص القدرة الإنتاجية إلى 9 ملايين، يشير إلى الحاجة إلى مراجعة أوسع للنموذج الاقتصادي الألماني برمته، في وقت تتحرك فيه الشركات الصينية بسرعة فائقة نحو صدارة سلاسل القيمة المضافة.

نظام الإدارة المشتركة أثبت كفاءته في حقبة التوسع المستمر، وفي تخفيف صدمات جائحة كورونا، لكنه قد يحد أيضاً القدرة على الاستجابة المرنة في فترات التحول الجذري.

وقد أعلن مجلس العاملين والنقابة في «فولكس فاجن» عزمهم التصدي لإغلاق المصانع «بكل ما أوتوا من قوة»، إلا أن الدروس المستفادة من السنوات الأخيرة تثبت أن الاستماتة في الدفاع عن الوضع الراهن اليوم قد لا يؤدي إلا إلى خطوات أكثر إيلاماً غداً.

وسيكون على مجالس إدارات الشركات الألمانية تقديم رؤى مقنعة حول الحجم والاستراتيجية المناسبين؛ حيث اقترح الرئيس التنفيذي لـ «فولكس فاجن»، أوليفر بلوم، إمكانية إعادة توجيه المصانع المهددة بالإغلاق لخدمة قطاع الدفاع أو صناعات أخرى، وإن كانت هذه الرؤية لم تختبر بعد.

كما يجب على الحكومة الألمانية القيام بدورها عبر تهيئة ظروف أفضل للاستثمار وخلق فرص العمل، وتعتبر حزمة الإصلاحات التي أقرتها الحكومة الائتلافية هذا الأسبوع، التي شملت تعزيز مرونة سوق العمل وتقليص الإجراءات البيروقراطية، خطوة إيجابية في هذا المسار.

وقبل كل شيء، ستحتاج ألمانيا إلى صيغة أكثر مرونة للتعاون بين مختلف الأطراف لمواجهة الاضطرابات الناجمة عن اشتداد حدة المنافسة الصينية وطفرة الذكاء الاصطناعي.

وستكون قدرة النظام الألماني على التكيف مع هذه التحولات عاملاً مؤثراً، ليس فقط على مستقبل ألمانيا، بل على مستقبل الاقتصاد الأوروبي بأكمله.