شيلا بير*
*رئيسة سابقة للمؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع في الولايات المتحدة (FDIC) ومؤلفة كتاب «كيف لا تخسر مليون دولار»
يعرف المنظمون الماليون بسوء اختيارهم للتوقيت، إذ يميلون إلى تخفيف القيود التنظيمية عندما تكون الاقتصادات قوية وأسعار الأصول في حالة انتعاش، في حين يقومون بتشديد القواعد عندما يواجه الاقتصاد صعوبات ويصبح الائتمان شحيحاً. وهذا السيناريو يتكرر مجدداً اليوم.
تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب الحالية، قام المنظمون الأمريكيون بشكل منهجي بإضعاف الإصلاحات التي تم وضعها بعد الأزمة المالية عام 2008. وتحت مسمى «توسيع نطاق الائتمان»، وهي بالتأكيد الكلمات الأكثر خطورة في عالم التمويل، قلصوا صلاحيات مفتشي البنوك، واتخذوا خطوات متعددة لخفض معايير بازل3 المطلوبة من البنوك لاستيعاب الخسائر، والحفاظ على ملاءتها المالية وقدرتها على الإقراض خلال ركود الاقتصاد.
ورغم وجود بعض المقترحات الإيجابية في بعض الجوانب، مثل زيادة رأس المال المطلوب مقابل خطوط الائتمان غير المستخدمة. إلا أنها تعكس في المجمل مطالب قطاع البنوك بإلغاء القيود التنظيمية. فقد خفف المنظمون بالفعل اختبارات الجهد، وخفض متطلبات حجم ديون «الإنقاذ الداخلي» التي تتحول إلى أسهم في الأزمات، ورفعوا الحدود القصوى لنسب الرافعة المالية للبنوك الكبرى. وأخيراً، اقترحوا تغييرات على متطلبات رأس المال القائمة على المخاطر والرسوم الإضافية التي تنطبق على البنوك ذات الأهمية النظامية العالمية، والمعروفة باسم «G-SIBs».
لكن الدورة الائتمانية بدأت في التحول، وتقييمات الأصول أصبحت مرتفعة، كما أن التضخم المتزايد يشكل ضغطاً على المقترضين من الشركات والأسر على حد سواء، ناهيك عن حالة عدم اليقين الجيوسياسي. هذا هو الوقت الخاطئ تماماً لإضعاف مرونة النظام المصرفي.
إن الاقتصاد الأمريكي لا يعاني نقصاً في الائتمان، بل على العكس، تتدفق كميات هائلة من الائتمان إلى مقترضين لا يستطيعون السداد. والبنوك الكبرى تشتكي من أن قواعد رأس المال تحد قدرتها على إقراض الأسر والشركات. رغم ذلك، فقد دفعت رقماً قياسياً بلغ 140 مليار دولار كعائدات أسهم وعمليات إعادة شراء في عام 2025، و33 مليار دولار أخرى في الربع الأخير على عمليات إعادة الشراء وحدها.
وعلى الأرجح، سيؤدي خفض متطلبات رأس المال لمزيد من التوزيعات على المساهمين و/أو الاستحواذات، وليس إلى قروض جديدة. وإذا قررت البنوك زيادة الإقراض، وهي حالة مستبعدة، فإن ذلك سيؤدي للضخم وزعزعة الاستقرار، حيث ستبحث عن مقترضين أكثر خطورة لتوظيف نحو 2 تريليون دولار من الميزانية العمومية الموسعة التي يمنحها المنظمون لها.
ويقول المنظمون إنهم يريدون مساعدة البنوك على التنافس مع المؤسسات المالية غير المصرفية، وخصوصاً صناديق الائتمان الخاص، فلقد نما الائتمان الخاص بشكل كبير منذ عام 2008. وهذا ليس بسبب أن قواعد رأس المال تضع البنوك في موقف تنافسي ضعيف؛ وإنما لأن صناديق الائتمان الخاص تمتلك مستويات أعلى بكثير من رأس المال مقارنة بالبنوك. وقد نمت جزئياً لأن البنوك أقرضتها مئات المليارات، ووفرت لها أكثر من نصف تمويل ديونها.
ونظراً للضغوط الحالية في قطاع الائتمان الخاص، ينبغي للمنظمين تعزيز متطلبات رأس مال البنوك مقابل هذه الانكشافات. لكن بدلاً من ذلك، تقلل القواعد المقترحة من رأس المال المطلوب لهياكل التوريق المعقدة التي تستخدمها البنوك عادة لتمويل الائتمان الخاص. كما أنها ستخفض رأس المال المطلوب عندما تقدم البنوك قروضاً مشتركة محفوفة بالمخاطر إذا قامت بتقييمها داخلياً على أنها ذات درجة استثمارية جيدة.
ويقول المنظمون إنهم يحاولون تبسيط قواعد ما بعد الأزمة المالية، لكنهم يضعون اعتماداً أكبر على «المقاييس المعقدة القائمة على المخاطر»، التي يمكن للبنوك الكبرى التلاعب بها عبر تغيير مزيج أصولها ونماذجها الداخلية. في الوقت نفسه، أضعفوا نسب الرافعة المالية الأكثر بساطة وشفافية، واقترحوا إلغاء «الحدود الدنيا للمخرجات» التي تحد استخدام البنوك الكبرى لنماذجها الخاصة عند تحديد رأس المال. وبالمثل، فإنهم يتجاهلون ببساطة «تعديل كولينز»، وهو بند في قانون «دود-فرانك» يحظر فرض متطلبات رأسمالية على البنوك الكبرى تقل صرامة عن المعايير الأبسط المطبقة على المؤسسات الأصغر حجماً.
وبينما يزعم المنظمون أن مقترحاتهم الحالية لن تخفض رأس المال إلا بشكل طفيف، إلا أنهم لم يقيموا الأثر التراكمي لكل هذه التغييرات. الإجراءات المقترحة قد تحرر ما يعادل 14 % من رأس المال المحتجز لدى البنوك. ويأتي هذا في وقت يظهر فيه تحليل من بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانسون سيتي أن نسبة الرافعة المالية للبنوك ذات الأهمية النظامية العالمية (G-SIBs) قد انخفضت بالفعل إلى أدنى مستوى لها منذ 15 عاماً؛ حيث تبلغ الآن 6.81 % فقط، وهو أقل بكثير من المستويات الموجودة في البنوك الإقليمية والمحلية.
إن منظمي إدارة ترامب على حق في أن التنظيم المصرفي أصبح مرهقاً ومعقداً ومليئاً بالإجراءات الروتينية. لكن ما نحتاجه هو إصلاح جوهري ومدروس، وليس مجرد قائمة رغبات لقطاع البنوك.
البنوك الكبرى تشتكي من أن قواعد رأس المال الأمريكية أكثر صرامة من الموجودة في أوروبا. نعم، هذا صحيح، لكن هذه القواعد هي التي ساعدت البنوك الأمريكية على زيادة حصتها السوقية، مع تحقيق تقييمات أعلى بكثير من منافسيها الأوروبيين. وينبغي لها وللمنظمين الحرص على الحفاظ على هذه الميزة خلال فترة الركود الحتمي المقبلة.