تعرضت اقتصادات العالم لصدمة خارجية مشتركة عقب اندلاع الحرب في منطقة الشرق الأوسط. ومع ذلك، تباينت بشكل كبير ردود فعل البنوك المركزية، وذلك استناداً إلى سلسلة إعلانات السياسة النقدية الأخيرة. فقد رفع بعضها أسعار الفائدة، وأبقت بنوك مركزية أسعار الفائدة أخرى دون تغيير، بل وخفضت قلة منها الفائدة.

وما يزيد من أهمية هذا التباين في السياسات هو بروزه داخل دول مجموعة السبع. ولذلك، إذا لم يتم إجراء تعديلات مناسبة على السياسة الاقتصادية استجابةً لذلك، فإن رد فعل السوق «الطبيعي» قد يُفاقم بسهولة الاختلالات القائمة والضغوط الجيواقتصادية.

وعندما ننظر إلى مجموعة قرارات البنوك المركزية الأخيرة، فسنجد أن البنك المركزي الأوروبي رفع أسعار الفائدة، مع إبقاء رئيسة البنك، كريستين لاغارد، الباب مفتوحاً أمام مزيد من الزيادات. كما أنها أطلقت تحذيرات من «مخاطر ارتفاع التضخم» خلال جلسة استماع في البرلمان الأوروبي خلال الشهر الماضي.

ومن جانبه، قدّم البنك المركزي الياباني عملية رفع أسعار الفائدة في سياق إشارات أقوى إلى مزيد من الزيادات المرتقبة. أما بنك إنجلترا، فقد اختار الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وعبّر محافظه أندرو بيلي، عن حذره من «وجود ضغوط تضخمية محتملة». أما بنك كندا فقد بدا راضياً عن إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير لفترة من الوقت.

وإذا ما تحولنا إلى البنك المركزي الأكثر تأثيراً على مستوى العالم، وهو الاحتياطي الفيدرالي. فقد أبقت استجابته الأخيرة للسياسة النقدية - وهي الأولى تحت قيادة رئيسه الجديد كيفن وارش - أسعار الفائدة دون تغيير مرة أخرى، لكن كجزء من خطة سياسية جديدة ناشئة. وهو تحول، بحسب رد فعل السوق الأولي على المؤتمر الصحفي الأول لوارش، لم يستوعبه المستثمرون بشكل كامل بعد.

وقد وصل الرئيس الجديد للبنك المركزي الأمريكي ببرنامج إصلاح شامل، معلناً على الفور تشكيل خمس فرق عمل لمراجعة التواصل، وإدارة الميزانية العمومية، ومصادر البيانات واستخداماتها، وإطار التضخم، والإنتاجية والوظائف في اقتصاد متحول. والأكثر غرابة بالنسبة لهذا البنك المركزي الذي عُرف بميله للانعزال، أن فرق العمل هذه ستضم خبراء خارجيين مستقلين إلى جانب خبراء من داخل الاحتياطي الفيدرالي لضمان تنوع معرفي أفضل.

وهذا الإصلاح المؤسسي مفهوم حتى وإن كان متأخراً. فهو يأتي في أعقاب أخطاء متكررة ارتكبها الاحتياطي الفيدرالي تحت قيادة جاي باول. كما يأتي في وقت يقف فيه الاقتصاد الأمريكي، على وجه الخصوص، على أعتاب صدمة إنتاجية عميقة وإيجابية.

وبعيداً عن اقتصادات مجموعة السبع، تبدو الصورة أكثر تشتتاً. فإجراءات السياسة النقدية الأخيرة لبنك الشعب الصيني يتواصل معها ضخ السيولة في اقتصاد مثقل بأعباء العقارات. وفي أماكن أخرى، شهدت البنوك المركزية في إندونيسيا والفلبين زيادات، بينما شهدت البرازيل والمجر تخفيضات. ويمكن التوقف عند أربعة أسباب رئيسية لهذا التباين، على الرغم من أن جميع هذه البنوك المركزية تواجه نفس صدمة التضخم العالمية:

- أولاً، تختلف ظروف كل دولة عن الأخرى، لا سيما فيما يتعلق بالمرونة الهيكلية والمالية.

- ثانياً، لا تشترك جميع البنوك المركزية في نفس التفويضات القانونية، والتحيزات السياسية المتأصلة تاريخياً، وعتبات الألم المؤسسية.

- ثالثاً، تُترجم الاختلافات في ديناميكيات أسواق العمل المحلية إلى تباينات في سرعة تحول آليات تحديد الأجور من صدمة جانب العرض إلى شيء أوسع نطاقاً.

- رابعاً، وأخيراً، تختلف الاقتصادات في مدى تأثرها بالتشرذم الجيواقتصادي، بما في ذلك إعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية.

وتُنذر هذه الاختلافات بحدوث ردود فعل سوقية تُفاقم مخاطر عدم الاستقرار الاقتصادي والمالي. ويشمل ذلك احتمالية فرض ضغوط على أسعار الصرف، وبيع الأصول، وتقلبات تدفقات رأس المال عبر الحدود، وتفاقم اختلالات ميزان المدفوعات.

وتختلف التعديلات السياسية المطلوبة بطبيعة الحال من بلد إلى آخر. ومع ذلك، هناك ثلاثة عناصر مشتركة في الغالب: أولها تعميق الإصلاحات الهيكلية المُعززة للإنتاجية، وثانيها تدابير مالية ذكية، وثالثها شراكات أفضل مع رأس المال الخاص وعبر الحدود. والهدف الأسمى هو تعزيز المرونة الاقتصادية، واستعادة مرونة السياسة المالية، وضمان الاستقرار المالي.

في نهاية المطاف، تُعد هذه المرحلة من تباين البنوك المركزية تجلياً لمسألة أوسع نطاقاً لعام 2026. فالاقتصاد العالمي يمر بمرحلة تشتت هيكلي لم يعد بإمكانه في هذه المرحلة الاعتماد على البنوك المركزية باعتبارها «الخيار الوحيد المتاح». ولا يمكن للسياسة النقدية أن تُخفي الاختلافات الاقتصادية الجوهرية. لذلك، يتعين على الحكومات تحسين استراتيجياتها الاقتصادية واستجاباتها، وإلا فإنها تخاطر بمشاهدة الاقتصاد العالمي والأسواق وهي تنهار تحت وطأة اختلالات متزايدة يصعب السيطرة عليها.