تيج باريك

منذ إطلاق شركة «أوبن ايه آي» لنموذج «شات جي بي» قبل ثلاث سنوات ونصف السنة، أصبح العالم على دراية بالنماذج اللغوية الضخمة. وتُسرّع هذه النماذج وتُحسّن نطاقاً واسعاً من الأنشطة المُتنوعة، من إدارة الحياة اليومية والبحث العلمي إلى التشخيص الطبي. مع ذلك، فإن الإمكانات الحقيقية للذكاء الاصطناعي تتجاوز بكثير برامج الدردشة الآلية الذكية.

وإلى جانب توليد المحتوى الرقمي، يُمكن للآلات المُزوّدة بالذكاء الاصطناعي تنفيذ إجراءات مادية في العالم الحقيقي بشكل مُستقل عبر استخدام الكاميرات وأجهزة الاستشعار. وتشمل أمثلة التطبيقات في هذا المجال المعدات الذكية، والمركبات ذاتية القيادة، والروبوتات البشرية.

تستخدم هذه الأنظمة «نماذج العالم»، وهي أنظمة تفهم كيفية تحرك الأشياء وتفاعلها واستجابتها، على عكس نماذج التعلم الآلي، التي تُشبه محركات التنبؤ بالنصوص، والتي يتم تدريبها باستخدام بيانات حقيقية ومحاكاة.

وفي اقتصادات الدول المتقدمة القائمة على الخدمات، ليس من المستغرب أن يتم توجيه الكثير من الاهتمام والاستثمارات نحو تطبيق الذكاء الاصطناعي على المهام الإدراكية، لكن من المرجح أن يكون توظيف هذه التقنية في العالم المادي - خاصة في المصانع - هو المكسب الاقتصادي الأكبر، خاصة وأن التحسينات المحتملة في الإنتاجية يمكن أن تكون كبيرة بالفعل.

وتقول دانييلا روس، مديرة مختبر علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «قد تُحقق نماذج التعلم الآلي مكاسب أسرع على المدى القريب.

لكن من الناحية النظرية، يمكن للذكاء الاصطناعي المادي أن يُحقق مكاسب إنتاجية أكبر على المدى البعيد لأنه يستهدف تجاوز نقاط الاختناق المادية. ففي نهاية المطاف، لا تزال معظم ساعات العمل تُقضى في نقل الذرات الملموسة، وليس «البتات» – أو وحدات قياس وتخزين المعلومات الرقمية».

وقد قطعت الدول المتقدمة في كل من أوروبا وآسيا بالفعل أشواطاً كبيرة في دمج الروبوتات في خطوط التجميع لتحقيق مستويات أعلى للنمو. ويساعد الذكاء الاصطناعي في تمكين الروبوتات من التعلّم والتكيّف في بيئات الإنتاج والبناء والخدمات اللوجستية المعقدة، مما يُحسّن الكفاءة والجودة، ويُقلّل بشكل كبير من الأوقات التي يتطلبها تغيير المنتجات.

وتُظهر التطبيقات المبكرة بالفعل مثل هذه الإمكانات. فقد وجدت شركة فوكسكون، التي تُنتج إلكترونيات معقدة بما في ذلك أجهزة آيفون، أن الأذرع الروبوتية ذاتية التعديل والموجّهة بالرؤية حسّنت أوقات دورة التجميع بنسبة تصل إلى 30%، مع تقليل معدلات الخطأ بنسبة 25%.

كما أظهرت تجربة لشركة «أمازون» في أحد مستودعاتها بالولايات المتحدة أن أساطيل الروبوتات المُزوّدة بالذكاء الاصطناعي والمُخصصة لنقل الطرود قد تعلّمت كيفية التحرّك حول البشر وتجاوز العوائق، ما قلّل وقت تنقلها بنسبة 10%. وبات هناك بالفعل أمثلة عديدة ناجحة لكيفية عمل الذكاء الاصطناعي المادي في البيئات الصناعية.

وبذلك، يُمكن للروبوتات المُدعّمة بالذكاء الاصطناعي أن تُخفّف من نقص العمالة في الدول الغنية. وتبدو الآن المواهب المُتعلّمة جامعياً والمتوفرة بكثرة لوظائف الخدمات كثيفة المعرفة، في طليعة التغييرات الجذرية التي يشهدها سوق العمل. رغم ذلك، غالباً ما يشير المُصنّعون إلى نقص العمالة كعائق أمام الإنتاج.

وفي استطلاع أجرته شركة كابجيميني الاستشارية عام 2026، أفاد أكثر من 50% من المديرين التنفيذيين في القطاع الصناعي أن نقص العمالة والتكاليف واللوائح التنظيمية ستكون من بين أهم خمسة أسباب تدفعهم إلى تبني الذكاء الاصطناعي المادي.

وهناك أيضاً نقطة مهمة تتعلق بقدرة الآلات ذاتية التشغيل أيضاً على إجراء إصلاحات تخصصية في البيئات والظروف خطرة على البشر.

وتُعزز التوترات السياسية بشأن السياسات المتسامحة مع الهجرة، والشيخوخة السكانية، وتغير المواقف تجاه العمل اليدوي، الحاجة إلى الاستثمار طويل الأجل في الروبوتات المُعززة بالذكاء الاصطناعي.

ولا يمكن إنكار أن هذه التقنية ستؤدي إلى فقدان بعض الوظائف، إلا أنها ستخلق أيضًا أدوارًا ذات قيمة مضافة أعلى في المصانع، حيث لا تزال المعرفة بعمليات التصنيع ضرورية للإشراف على الروبوتات وإعادة تهيئتها وتدريبها.

وفي الدول الغنية، حيث يتزايد القلق بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف في قطاع المكاتب، قد يكون التحول نحو دمج هذه التقنية في التصنيع أقل إثارة للاضطرابات السياسية.

كذلك، يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي المادي مكملاً لجهود الحكومات لتعزيز مرونة سلاسل التوريد المحلية في الصناعات الحيوية. وفي الواقع، يمكن للآلات الذكية متعددة المهام أن تقلل الحاجة إلى خطوط التجميع الضخمة، مما يعني إمكانية الإنتاج محلياً بتكلفة أقل.

وهكذا، هناك مبررات اقتصادية وسياسية واضحة تستدعي من صانعي السياسات في الدول المتقدمة إيلاء المزيد من الاهتمام لدعم تبني الذكاء الاصطناعي المادي في الصناعة. وقد حققت الصين تقدماً واضحاً في تطبيق هذه التقنية على أرض الواقع، وتتضمن خطة بكين الخمسية الأخيرة تحولاً استراتيجياً نحو «الذكاء الاصطناعي المجسد».

وبالنسبة للغرب، من المتوقع أن يستغرق هذا التحول وقتاً أطول، إذ يتطلب رأسمال كبيراً، ومزيداً من التطوير في نماذج العالم، وكميات هائلة من بيانات التدريب. كما أن سلاسل التوريد اللازمة لبناء أجهزة الروبوتات ضرورية أيضاً.

وتحتاج المصانع والمستودعات إلى إعادة تصميم. لكن من الجيد أن نعلم أن المستثمرين المغامرين يتجهون بشكل متزايد نحو الاستثمار في مجال الروبوتات.

وهناك، على أرض الواقع، تطبيقات واسعة ومتنامية للذكاء الاصطناعي المُجسّد، حيث يتزايد استخدام المركبات ذاتية القيادة، مثل سيارات الأجرة الروبوتية. وكثيراً ما يُنظر إلى الروبوتات البشرية على أنها مستقبل الرعاية الاجتماعية والأعمال المنزلية. كما تبدو تطبيقات الروبوتات الجراحية واعدة.

ويُوفّر قطاع التصنيع الطريق الأسرع للتوسع، فمقارنةً بالطرق أو المنازل أو المستشفيات، تُعدّ المصانع بيئات مغلقة، وبالإمكان تصميمها لتدور حول الآلات.

وبدلاً من التركيز على بناء تكنولوجيا تُحاكي البشر، يُمكن للشركات ابتكار روبوتات مُتخصصة لتحقيق مستويات من السرعة والدقة والقدرة على التحمّل تتجاوز بكثير القدرات البشرية.

لقد أثبتت النماذج اللغوية الكبيرة قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة المعلومات، ولكن بالنسبة للدول الغنية الساعية إلى تحقيق نمو أكبر ومرونة اقتصادية أوسع، تكمن الفرصة الأكبر في تطبيق هذا الذكاء على عمليات الإنتاج. ففي نهاية المطاف، لا تقوم أعظم التحولات التكنولوجية بمحاكاة وتكرار ما يُمكن للبشر فعله بالفعل، بل في تمكينهم من القيام بما لا يُمكنهم فعله.