روبرت أرمسترونغ
شهد العام الجاري صفقتين في مجال الإعلام جريئتين بما يكفي لتغيير البصمة الاستراتيجية والمالية للشركات المعنية، لكن لاقت كلتاهما حالة من عدم الرضا أو بالأحرى استياء في السوق.
وخلال الشهر الجاري، جاء استحواذ فوكس كوربوريشن على منصة البث التلفزيوني روكو مقابل 22 مليار دولار، والذي اعقبه انخفاض بنسبة 25 % في أسهم الشركة المستحوذة.
وكان الربح الحقيقي يكمن في إجبار المشتركين على دفع ثمن قنوات نادراً ما يشاهدونها. فإذا أرادوا أفضل محتوى - الرياضة على «إي إس بي إن»، والأفلام على «إتش بي أو»، والأخبار على «فوكس» كان عليهم شراء باقة من قنوات أخرى غير معروفة.
كما كانت الإعلانات تُباع مع الباقة كاملة. وكان هذا نموذجاً تجارياً مربحاً ومستقراً، أدى إلى جني الاستوديوهات والموزعين أرباحاً طائلة. وكان المستهلك راضياً إلى حد كبير بما يُقدم له.
ونتيجة لذلك، بدأ المشتركون بالتخلي عن النموذج القديم: فاليوم، يبلغ عدد الأسر الأمريكية المشتركة في خدمات التلفزيون المدفوع التقليدية 62 مليون أسرة - أي أقل بـ 3.5 ملايين أسرة عن العام الماضي، وأقل بـ 36 مليون أسرة عن العقد الماضي، وفقاً لبيانات شركة «موفيت ناثانسون».
لكن السوق يواصل التقلص فمشترك خدمات البث يوفر للشركات إيرادات وأرباحاً أقل من مشتركي الكابل.
كما أن شركات التكنولوجيا مثل «أبل» و«أمازون» تُفضل إنتاج المحتوى وبثه. وهذه المنافسة تعني أن الأسعار ستبقى منخفضة، ولن تعود الصناعة إلى سابق عهدها من الربحية. وبالنسبة للمشاهدين، هذا أمر يدعو للاحتفال.
أما بالنسبة لتلفزيون الكابل فالصفقة خاسرة، فقد استحوذت «نتفليكس» على جزء كبير من أرباح الاحتكار وأعادته للمستهلكين. وبالنسبة للصناعة نفسها، فقد باتت مجبرة على اتخاذ قرارات صعبة. فبث المحتوى الأصلي لا يكون مربحاً بشكل مستدام إلا إذا كان على نطاق واسع.
ولم تكن «بارامو نت بلس» تمتلك هذا النطاق، لذا أصبح دمجها مع «إتش بي أو ماكس»، من خلال شراء وارنر ديسكفري، ضرورة ملحة لشركة «بارامونت سكاي دانس»، مما اضطرها إلى دفع مبالغ طائلة. وحتى فوكس، التي أثبت مزيجها من الرياضة والأخبار أنه الأكثر رسوخاً بين نماذج التوزيع القديمة، عانت من افتقارها إلى جسر يربطها بعالم ما بعد الكابل.
لذلك، اضطرت إلى دفع مبلغ يتجاوز المتوقع مقابل «روكو»، من أجل الحصول على نظام تشغيل تلفزيوني معروف يربط المنازل بمنصات البث المختلفة، وخدمة بث مجانية مدعومة بالإعلانات لتُدمجها مع خدمتها.
فقد أدى هذا المزيج من المنصات التي تُشغلها شركات إنتاج المحتوى وشركات الاتصالات والمجموعات التقنية إلى تجربة مستخدم مُجزأة ومُربكة ومُزعجة للمشاهدين، مع أجهزة تحكم عن بُعد متعددة. هناك جهاز «ابل تي في» في غرفة المعيشة، وجهاز «روكو تي في» في القبو، ونظام ثالث على أجهزة الكمبيوتر المحمولة والهواتف المحمولة، ما يعني ضرورة التنقل بين اشتراكات متعددة بحثاً عن البرامج.
ولذلك، يحتل يوتيوب الآن المرتبة الثانية في حصة المشاهدة التلفزيونية الإجمالية، بفارق ضئيل عن مجموع حصتي باراماونت ووارنر، وفقاً لشركة موفيت ناثانسون.
وكما أوضح لوران يون من شركة بيرنشتاين، فإن هذه الصيغ المماثلة ستُمكّن منصات التواصل الاجتماعي من جذب المشاهدين من منصات البث المباشر.
وإذا أضفنا إلى ذلك التطور السريع في إنتاج الذكاء الاصطناعي، فسنحصل على وصفة لمزيد من الخيارات، موزعة على مشهد لصناعة أكثر تشتتاً.
لكن هل يُمكن أن تتحد الصناعة لحل هذه المشكلة؟ أم أن هناك حلاً رقمياً محايداً يُزيل التعقيدات؟ من الصعب تخيل حدوث ذلك، في ظل معاناة جميع المنافسين تقريباً من عمليات إعادة الهيكلة، وإصرار شركات التواصل الاجتماعي على إحداث المزيد من التغيير الجذري.