أنجانا أهوجا

يتفق الجميع على أن الحروب تخلق بيئات غير طبيعية: تُفرغ الشوارع وتُلحق الضرر بالبنية التحتية. وتُغلق أماكن العمل والمدارس.

وتهدد إمدادات الغذاء والماء. وتستلزم إنشاء ملاجئ لضمان السلامة العامة. وتُرهق خدمات الطوارئ. وتُخلف الكثير من الضحايا. وتُزهق الكثير من الأرواح.

ورغم إدراكنا لذلك، فإننا نجعل من أنفسنا ضحايا حرب من صنع أيدينا - ضد عدو واضح، وهو تغير المناخ، الذي بدا يوماً بعيداً، ولكنه الآن يُطلق طلقات تحذيرية قوية أكثر تواتراً.

فمن المتوقع أن تصل درجات الحرارة في أجزاء من إنجلترا وويلز هذه الأيام إلى 39 درجة مئوية، ما دفع مكتب الأرصاد الجوية إلى إصدار «تحذير وطني نادر من موجة حر شديدة»، وهو ما يُشير إلى خطر على الأرواح والبنية التحتية.

كذلك، فقد وصلت درجات الحرارة في فرنسا إلى 42 درجة مئوية. وأُغلقت مئات المدارس الفرنسية كلياً والبعض الآخر مبكراً، كما أُغلقت محطة طاقة نووية بسبب مشاكل في التبريد. ويبدو أن موجة الحر الحالية في بريطانيا، التي أعقبت شهر مايو الحارق، ستحطم الرقم القياسي المسجل في يونيو عام 1976، والذي بلغ 35.6 درجة مئوية، والذي لا يزال عالقاً في الأذهان.

ووفقاً لخبراء الأرصاد الجوية، والمتخصصين في الصحة، والجماعات الداعمة لمواجهة التغير المناخي، والذين اجتمعوا في لندن يوم الاثنين لإحياء الذكرى الخمسين لتلك الموجة، فإن هذه الذكرى تتجاهل الحقائق الأكثر قسوة، كنقص المياه، وفشل المحاصيل، وحتى تعيين حكومة حزب العمال آنذاك وزيراً لشؤون الجفاف.

إن هذا الاجتماع لم يكن لمجرد استعادة للماضي، بل كان بمثابة استشراف لمستقبل خانق. وكان محور الاجتماع توقعات مكتب الأرصاد الجوية لموجات الحر المحتملة.

ويُصعّب ارتفاع درجة حرارة «الليل الاستوائي» عملية التبريد، وكذلك الرطوبة العالية. وبالمصادفة، تُظهر دراسة نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «نيتشر كلايمت تشينج» أن الليالي الأكثر حرارة ترتفع حرارتها بوتيرة أسرع، بمعدل 0.32 درجة مئوية لكل عقد، مقارنةً بالأيام الأكثر حرارة (0.27 درجة مئوية)، وأن «تعرض السكان للحرارة الخطيرة قد ازداد بشكل ملحوظ» منذ عام 1950، نتيجةً لتفاقم الإجهاد الحراري والنمو السكاني.

واستغلّ عدد من الخبراء الحديث عن ذكرى عام 1976 للتحذير من ذوبان الطرق، وانقطاع خطوط الكهرباء، وحرائق الغابات، واضطراب سلاسل التوريد، ونضوب الخزانات، وتحوّل المباني المبنية من الطوب، والمصممة للاحتفاظ بالحرارة، إلى أفران. وقال إد هوكينز، الأكاديمي الذي ابتكر «الخطوط المناخية» التي تُصوّر بيانات درجات الحرارة التاريخية - والتي تتغير عبر العقود من الأزرق الهادئ إلى الأحمر والأرجواني الداكن – إنه تم بناء المجتمع والبنية التحتية «لمناخ لم يعد موجوداً». وخلال الاحتفال قدم الآباء والأجداد رسائل اعتذار مؤثرة موجهة إلى الأجيال القادمة.

وقال هيو مونتغمري، الباحث في تأثير تغير المناخ على الصحة، إنه يشعر «بمزيج من الغضب والحزن والرعب» إزاء التقاعس السياسي. وأضاف: «يتم تصوير تغير المناخ أنه مشكلة مستقبلية للأجيال القادمة، وربما للفقراء، وهذا غير صحيح. الجميع يعاني من المشكلة».

وأشار مونتغمري إلى تقرير استخباراتي يصوِّر فقدان الطبيعة المتسارع بفعل المناخ أنه خطر يهدد الإمدادات الغذائية، ووصف معارضة الوصول إلى صافي انبعاثات صفرية بأنها «جنون مؤكد».

وأوضح إد هوكينز أن ارتفاع درجة الحرارة العالمية بمقدار درجة مئوية واحدة قد يؤدي إلى موجات أشد حرارة بمقدار 3 - 4 درجات مئوية. وكأنها إشارة متفق عليها، فقد يتحطّم الرقم القياسي المسجل في يونيو 1976 بنفس القدر هذا الأسبوع. كما من المحتمل أن يُحطّم الرقم القياسي البريطاني المسجل على الإطلاق، 40.3 درجة مئوية، والذي تم تسجيله عام 2022. وقد حذّرت وكالة الأمن الصحي البريطانية من أنه حتى الأصحاء والرياضيين مُعرّضون للخطر، مع توقّع ارتفاع حالات الإنهاك الحراري والجفاف والنوبات القلبية ومشاكل التنفس.

وتقول ليز بنتلي، الرئيسة التنفيذية للجمعية الملكية للأرصاد الجوية، إن النقاش حول الطقس الحار بحاجة إلى تغيير: «عندما يحلّ الحر، يحتفل الناس به، لكن عندما تصل درجات الحرارة إلى منتصف الثلاثينيات، يصبح الأمر متعلقاً بفهم تأثيره على صحتنا وبنيتنا التحتية وحياتنا اليومية».

وتُقدّر لجنة تغير المناخ في المملكة المتحدة أن تكلفة تكيّف البلاد مع ارتفاع درجة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بحلول عام 2050 ستبلغ 11 مليار جنيه إسترليني سنوياً، ولكن من المرجّح أن تكون تكلفة عدم القيام بذلك، بما في ذلك خسائر الإنتاجية، أكبر من ذلك بكثير.