آلان بيتي
كنا نظن نحن الاقتصاديين أننا فهمنا عملية تغير المناخ تماماً. وأدركنا منذ فترة طويلة أن انبعاثات الكربون تعد أثراً خارجياً سلبياً، وشرحنا مراراً وتكراراً معنى هذا الأثر من الناحية الاقتصادية.
ووضعنا تصوراً لاستخدام الحكومات أسعار الكربون لإلزام الشركات بتحمل تكلفة انبعاثاتها، مع الحرص على توحيد الأسعار في إطار نظام عالمي متعدد الأطراف.
وكثيراً ما سخرنا من الدعم الحكومي واللوائح التنظيمية غير الفعالة مقارنة بآليات السوق. وكنا على صواب من الناحية النظرية، لكننا لم نتوقع أن يواجه التكتل التجاري الذي اتبع وصفتنا اتهامات حادة بالحمائية. كما لم نتوقع التأثير البالغ للصادرات المدعومة من الدولة من قوة عظمى جيواقتصادية. وبالتأكيد لم نتوقع أي تأثيرات إيجابية من حرب عبثية أشعلها منكر قوي لتغير المناخ.
لقد أنشأ الاتحاد الأوروبي نظام تداول الانبعاثات (ETS) في عام 2005 ويعمل حالياً على توسيعه. وقد ساهم هذا النظام في خفض التلوث في القطاعات المشمولة، وإن لم يكن ذلك بشكل ملحوظ. وجاء تضاؤل أثره بسبب «الحصص المجانية» الممنوحة للصناعات ذات الانبعاثات العالية، مثل صناعات الصلب والكيماويات. وتسعى المفوضية الأوروبية الآن إلى حماية هذه القطاعات من المنافسة غير العادلة من خلال آلية تعديل الكربون الحدودية (CBAM)، التي تفرض أسعار الكربون على المستوردين لتحقيق التوازن في التكاليف. وتعد آلية تعديل الكربون الحدودية مثالاً على «تأثير بروكسل» الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي، إذ يفترض أن تشجع الدول الأخرى على التوافق مع نظام الكربون الأوروبي عبر التجارة العالمية.
وحتى الآن، لا يزال تأثير ذلك محدوداً. فقد قامت اقتصادات شديدة التأثر بسوق الاتحاد الأوروبي، خصوصاً تركيا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، بتطبيق آليات تسعير الكربون أو مواءمة أنظمتها مع الاتحاد الأوروبي. إلا أن نظام تداول الانبعاثات وآلية تعديل الكربون الحدودية لم تنجحا في تحقيق الانتشار الكافي بعد أن أخفقت في استقطاب القوى الاقتصادية الكبرى الأخرى.
كذلك، فشلت آلية لتسعير الكربون في الولايات المتحدة، ممثلة في مشروع قانون طرحه باراك أوباما، بفارق ضئيل في الحصول على إقرار من الكونغرس عام 2010. وسعى الرئيس الديمقراطي التالي، جو بايدن، إلى خفض الانبعاثات من خلال الإنفاق العام والتعريفات الجمركية، محاولاً إنشاء صناعة وسوق محليتين للتكنولوجيا الخضراء، لكن برامجه قلصها خلفه دونالد ترامب بشكل كبير.
وتواجه حملة فرض سعر دولي للكربون ضمن التجارة العالمية صعوبات جمة. فقد أحرزت الجهود المبذولة داخل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومنظمة التجارة العالمية لتطوير أنظمة متناسقة لتسعير الكربون تقدماً ضئيلاً، كما أن متطلبات الامتثال المعقدة لآلية تسعير الكربون القائمة على الاتفاقيات لا تكسب الاتحاد الأوروبي أي تأييد أو أصدقاء. ففي مؤتمر الأطراف بشأن تغير المناخ (COP) في نوفمبر، هاجمت الهند والصين ودول أخرى كبيرة مصدرة للكربون الاتحاد الأوروبي بسبب سياساته الحمائية المناخية.
ويقول شاهين فالي، الباحث البارز في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية: لقد انقلب مؤتمر الأطراف ضد آلية تسعير الكربون القائمة على الاتفاقيات، ومن دون آلية فعالة، يصبح نظام تداول الانبعاثات غير مستدام. ومن الصعب في الوقت الراهن تخيل توسع النظام بسرعة لينشئ تسعيراً عالمياً للكربون في المستقبل القريب.
بدلاً من ذلك، يكمن أفضل أمل فوري لخفض الانبعاثات في الصين، التي تعد، ويا للمفارقة، مستهلكاً ضخماً للفحم، وقد قاومت مراراً وتكراراً الالتزام بأهداف ملزمة لخفض الكربون. والآن، شريكها من دون قصد هو الرئيس دونالد ترامب، المنكر الصريح لتغير المناخ. وعلى مدى الـ15 عاماً الماضية تقريباً، ضخت الصين تريليونات الدولارات في الإنفاق والإعفاءات الضريبية - مدعومة غالباً بالتعريفات الجمركية واللوائح - في الطاقة المتجددة وغيرها من التقنيات الخضراء، ولا سيما السيارات الكهربائية.
بصفتها مستورداً صافياً ضخماً للنفط، كان دافعها أمن الطاقة والسياسة الصناعية الاستراتيجية أكثر من الاهتمام بالمسؤولية البيئية العالمية. ومع ذلك، ينبغي لكوكب الأرض أن يستغل أي فرصة سانحة. وأخيراً، مثّل ارتفاع أسعار النفط نتيجة حرب إيران آلية تسعير الكربون الأكثر غرابة في العالم، وكان ترامب أفضل مسوق للصين. وكما تظهر بيانات مركز «إمبر» للأبحاث فقد ارتفعت مبيعات التقنيات الخضراء بشكل كبير، بما في ذلك في الولايات المتحدة، لتعويض الطلب على النفط.
وعموماً يحدث ذلك حتى وإن لم يكن بالضرورة بالطريقة التي يؤيدها الاقتصاديون. وقد يستنكر البعض إغراق الألواح الشمسية الصينية للأسواق العالمية باعتبارها فائضاً مدعوماً من الدولة، وقد يؤيده آخرون باعتباره إنتاجاً لسوقٍ سيتساوى فيه العرض مع ازدياد الطلب. أو قد لا تبالي مثلي بالأمر طالما أن الألواح متوفرة بأسعار زهيدة للغاية. فمن المؤكد أن الفوائد الإيجابية للطاقة المتجددة منخفضة التكلفة تفوق عدم الكفاءة الناجمة عن تشويه معايير السوق. (أما بالنسبة للتكنولوجيا الأكثر تعقيداً ذات التداعيات الأمنية، مثل السيارات الكهربائية، فهي مسألة أكثر تعقيداً).
وأياً كان الأمر، فإنه يبقى من غير الواضح ما إذا كانت هذه نقطة تحول حقيقية للطاقة المتجددة والكهرباء. وقد دفع نقص النفط الدول إلى زيادة استخدامها لأنواع الوقود الأحفوري الأخرى، بما في ذلك الفحم. ومن غير الواضح مدى حجم الصدمة واستمراريتها. ففي النهاية، لم تتجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل إلا لبضعة أسابيع منذ اندلاع حرب إيران.
عموماً، سيكون من الأفضل للعالم أن يدرج نموذج تسعير الكربون الفعال والقابل للتنبؤ، الذي ابتكره الاتحاد الأوروبي، على الأقل كجزء من مزيج حلول تغير المناخ. ولا يوجد ما يضمن استمرار المسار الذي نسلكه، حيث تغرق الصين العالم بالتكنولوجيا الخضراء، ويخلق ترامب طلباً عليها. لكن في الوقت الراهن، ومن المفارقة أن يكون هذا هو أحد أفضل الآمال المتاحة لنا حتى الآن.