كريس جايلز
مع انخفاض تكاليف الاقتراض في اليونان إلى ما دون نظيرتها الفرنسية أواخر الشهر الماضي، توجهت الأنظار نحو الاضطرابات السياسية في باريس. ولا شك في أن سقوط الحكومة بعد عجزها عن إقرار ميزانية يوضح الخلل الوظيفي في باريس، إلا أن القصة الحقيقية تكمن في مكان آخر، وهو النجاح اللافت للنظر لما كان يُطلق عليه بازدراء «دول الأطراف» في منطقة اليورو، بعد أكثر من عقد من أزمة ديونها السيادية.
وبينما كان هناك تركيز طبيعي على ارتفاع تكاليف الاقتراض الفرنسي مقارنة بألمانيا، إلا أن فرنسا لا تواجه صعوبة في خدمة ديونها التي لم تصبح أكثر تكلفة مما كانت عليه قبل عام. في الوقت نفسه، شهدت تكاليف الاقتراض انخفاضاً طفيفاً في ألمانيا مع توقعات بخفض أسعار الفائدة، لكنها تراجعت بشكل أكبر في البرتغال وأيرلندا وإيطاليا واليونان وإسبانيا، وهي الدول التي كانت محور أزمة منطقة اليورو بين عامي 2010 و2015.
وتظهر بيانات صندوق النقد الدولي أنه بين عشية أزمة كوفيد عام 2019 وعام 2024، نما الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنسبة تزيد على 11% في اليونان، ونحو 7% في إيطاليا والبرتغال، ونحو 4% في إسبانيا. أما أيرلندا فقد حققت أداء أفضل من ذلك بكثير، حيث تجاوز النمو نسبة 18%، رغم أن بيانات الناتج المحلي الإجمالي لديها تحمل قدراً من المبالغة بسبب تسجيل الملكية الفكرية في البلاد لأغراض ضريبية. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة النمو في فرنسا 2%، بينما سجلت ألمانيا نمواً سلبياً.
تتحدى قصة نجاح اليونان جميع المتشائمين والمندفعين الذين تنبؤوا بانهيارها عام 2015 عندما كانت البلاد على وشك مغادرة منطقة اليورو تحت حكومة حزب سيريزا اليساري الشعبوي. وعلى عكس التوقعات القاتمة التي رسمها وزير المالية اليوناني آنذاك، يانيس فاروفاكيس، بشأن تحول البلاد إلى «سجن المدينين» الذي يرزح تحت وطأة التقشف الدائم والفقر، نما الاقتصاد اليوناني بوتيرة أسرع بكثير من متوسط منطقة اليورو. كما تمكنت البلاد من تحقيق فائض أولي في الموازنة، وهو ما طالب به دائنوها كجزء من خطط الإنقاذ.
وفي الشهر الماضي فقط، سددت الحكومة اليونانية جزءاً من ديونها المرتبطة ببرنامج الإنقاذ المبكر لعام 2010، مستفيدة من حصولها على تصنيف ائتماني يسمح لها بالاقتراض بتكلفة أقل في الأسواق المالية. في ذلك الوقت، أكد فولفغانغ شويبله، وزير المالية الألماني حينها، أن منطقة اليورو كانت ستستفيد من التخلص من «طفلها اليوناني المزعج»، لكن من المستحيل القول الآن إن الخروج الفوضوي لليونان من منطقة اليورو وما سيصاحبه من اضطرابات حتمية وتخلف عن السداد، والشكوك حول أعضاء آخرين في منطقة اليورو، كان ليصبح خياراً أفضل.
وأتذكر أن أحد أكثر الأعضاء انتقاداً لعملية الإنقاذ الدولية زار مكتب «فاينانشال تايمز» منذ فترة، ووصف الاقتصاد اليوناني بأنه لا يقدم شيئاً سوى «بعض أشعة الشمس الصيفية» لسكان شمال أوروبا، لكن هذه الشمس أسهمت في توليد 17% من الكهرباء في اليونان بحلول عام 2023، بعدما كانت النسبة صفراً عام 2010. ويُتوقع أن يدعم هذا التقدم السريع انضمام اليونان إلى صناعات المستقبل، مثل مراكز البيانات كثيفة الطاقة.
ولا تقتصر قصص النجاح على اليونان وحدها، فقد شهدت معدلات التوظيف نمواً قوياً منذ عام 2012 في ألمانيا، لكنها كانت أكثر قوة في الدول التي أدينت بأنها من دول الأطراف خلال أزمة منطقة اليورو (البرتغال، وأيرلندا، وإيطاليا، واليونان، وإسبانيا). وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن ألمانيا ستكون في وضع مالي أسوأ من جميع هذه الدول في الميزانية الأولية لعام 2024.
ومع توجهنا نحو النصف الثاني من عشرينيات القرن الحالي، تبرز الدروس المستفادة من الأزمة التي وقعت قبل أكثر من عقد. أهم هذه الدروس هو قيمة التضامن الأوروبي، الذي أتاح وضع الديون السيادية على أسس مستدامة بدعم من الدول الأكثر استقراراً مالياً.
وكانت الشروط المرافقة لهذا الدعم ضرورية، رغم ما حملته من صعوبات سياسية. كذلك، كان تأجيل المواجهة الفورية للأزمات - كما حدث في كثير من الأحيان بين عامي 2010 و2015- أمراً لا غنى عنه لتسهيل التوصل إلى تسويات صعبة.
ورغم أن الإصلاحات الاقتصادية الهادئة والصعبة منذ ذلك الحين غالباً ما تمر دون أن يلاحظها أحد، فإن نجاحها أصبح الآن أمراً لا شك فيه في دول «الأطراف» الأوروبية. وربما حان الوقت الآن لأن تمارس فرنسا وألمانيا السياسات نفسها التي طالما أوصتا بها الآخرين قبل عقد من الزمن.