على مدى العقد الماضي، واجهت الحكومات الغربية تحدياً كبيراً يتمثل في كيفية التصدي للخطر الواسع للواردات الصينية الرخيصة، وقد تصدرت قضية «المنافسة الاحتكارية» بالفعل جدول أعمال قمة مجموعة السبع التي عقدت منذ أيام في مدينة إيفيان لي بان بفرنسا، كما برزت بشكل كبير خلال اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي.

واضطرت واشنطن، وكذلك بروكسل، بشكل متزايد إلى استغلال نفوذ الدولة لتقديم الدعم والحماية للصناعة. ووفقاً لتقرير «غلوبال تريد أليرت»، تم تطبيق أكثر من 9500 إجراء دعم في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة خلال السنوات العشر الماضية، وبعبارة أخرى، لمواجهة النموذج الاقتصادي الذي تقوده الدولة في بكين، فقد اضطرت الدول الغنية إلى استعارة عناصر من هذا النموذج بشكل متزايد.

واليوم، يتزايد في الغرب قبول الفكرة القائمة على ضرورة أن تلعب الدولة دوراً أكبر في الاقتصاد، رغم كل التكاليف والتشوهات التي قد تنجم عن ذلك. وكشفت سلسلة الصدمات الأخيرة، من جائحة كوفيد19 إلى الحرب في أوكرانيا والصراع في منطقة الشرق الأوسط، عن الهشاشة التي تعتري سلاسل التوريد العالمية عندما تترك لقوى السوق وحدها.

كذلك، فقد أبرزت التوترات الجيوسياسية المتفاقمة كيف يمكن استغلال التبعية الاقتصادية كسلاح، في حين أدى الاعتماد لسنوات على الواردات الصينية منخفضة التكلفة إلى تآكل القدرة التصنيعية المحلية في قطاعات تعتبر حيوية للأمن القومي والتقنيات الناشئة. وقلما يشكك أحد الآن في أن التدخلات - سواء جاءت في شكل إعانات أم قواعد شراء أم حماية تجارية - يمكن أن تسهم في بناء مرونة الصناعات الاستراتيجية.

لذلك، يتعين على الحكومات أن تحذر من توسع نطاق التدخلات ليتجاوز هذه الأهداف المحددة بدقة. وتمتد القوة الصناعية للصين اليوم لتغطي طيفاً واسعاً من السلع منخفضة التكلفة إلى القطاعات المتقدمة، بما في ذلك السيارات الكهربائية والألواح الشمسية وتوربينات الرياح.

في الوقت نفسه، تفتقر الحكومات الغربية إلى القدرة المالية والإدارية اللازمة لدعم الصناعات بشكل شامل، لا سيما أن بكين أمضت عقوداً في بناء سلاسل توريد متكاملة رأسياً.

وقد وجد تقرير صدر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في وقت سابق من الشهر الجاري أن الشركات الصينية تتلقى، في المتوسط، دعماً حكومياً يصل إلى 8 أضعاف ما تتلقاه نظيراتها في الدول الغنية - بما في ذلك الإعانات والقروض الميسرة.

وتكمن المشكلة الرئيسية في أنه بمجرد أن تقبل الحكومات دوراً أكبر في توجيه النشاط الاقتصادي، يصبح الحفاظ على عدم تجاوز الحدود أمراً أكثر صعوبة، خصوصاً أنه يمكن للقطاعات الاقتصادية المختلفة أن تدعي أهميتها الاستراتيجية واستحقاقها الحماية من المنافسة الصينية.

كما أن سحب الدعم، بمجرد منحه، يصبح مسألة صعبة سياسياً، في حين أن الإعانات الجديدة تعد مكسباً سهلاً للقطاعات التي تعاني من ضغوط، وقد ارتفعت بالفعل مساعدات الدولة في الاتحاد الأوروبي بشكل كبير خلال الجائحة، ولا تزال حتى الآن أعلى من مستويات ما قبل الجائحة.

وهناك أيضاً تكلفة الفرصة البديلة، فالدولة الأكبر حجماً والأكثر تدخلاً تستنزف القدرات الإدارية التي كان من الممكن توجيهها نحو تدابير تعزز القدرة التنافسية بشكل مباشر.

وعلى سبيل المثال، يمكن للجهود المبذولة لتعميق السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، أو للاستثمار في البنية التحتية للطاقة والنقل في الولايات المتحدة، أن يسهم في تعزيز ديناميكية القطاع الخاص بشكل مستدام أكثر من الإعانات الصناعية. ومن المنصف هنا الإشارة إلى أنه رغم استفادة الشركات الصينية من الإعانات، إلا أن المنافسة الشديدة على دعم الدولة قد ساعدت أيضاً في دفع عجلة الابتكار وخفض تكلفة الإنتاج.

وبينما تواصل الحكومات الغربية العمل لتطوير طرق استجابتها للصين، فإنها بحاجة إلى الابتعاد عن مناقشة تبني سياسة صناعية لحماية اقتصاداتها، والتركيز بدلاً من ذلك على وضع حدود واضحة لا يمكن تجاوزها.

هذا يعني تحديد مفهوم الصناعة الاستراتيجية بوضوح، ومستوى الاعتماد المقبول في سلاسل التوريد، والمجالات التي قد يكون من الأفضل فيها الاستفادة من الخبرات الصينية ومدخلاتها منخفضة التكلفة.

وفي كل الأحوال، ينبغي أن تكون الأولوية لبناء القدرة على الصمود حيثما تشتد الحاجة إليها، والحفاظ على الانفتاح قدر الإمكان، واستعادة نقاط القوة التنافسية التي ساهمت في ازدهار الاقتصادات الغربية في المقام الأول.