جون ثورنهيل
هناك اعتقاد شائع بأن العالم أصبح أكثر تقلباً، حيث تندلع الحروب، وتنتشر الأوبئة، وتتقلب الأسواق، وتتسارع وتيرة التكنولوجيا، وتتشرذم التوجهات السياسة إلى حدٍّ مقلق. ويبدو التاريخ وكأنه يسير بسرعة فائقة تكاد تصيبنا جميعاً بحالة من الدوار، وتزدهر لذلك الأخبار في شتى أنحاء العالم، فيما تعيش صناعة الأخبار التقليدية معاناة كبيرة.
لكن في بعض المجالات قد يكون العكس هو الصحيح، حيث أصبح العالم بالفعل أكثر قابلية للتنبؤ، مهما بدا ذلك مخالفاً للمنطق. ويأتي ذلك مدعوماً بظهور مجموعات بيانات أكبر وأفضل، واستخدام نماذج الذكاء الاصطناعي القوية لرصد أنماط لم نكن لنكتشفها من قبل، وأصبح ذلك يُحسّن بشكل واضح من قدراتنا التنبؤية.
ولنأخذ التنبؤات الجوية قصيرة المدى مثالاً، فرغم الآثار الفوضوية واسعة النطاق عالمياً لتغير المناخ، باتت أفضل التنبؤات الجوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لمدة سبعة أيام تضاهي الآن جودة التنبؤات لمدة ثلاثة أيام التي كانت تجرى عام 1980، وذلك بفضل استخدام أجهزة الاستشعار المتطورة، والبيانات الأكثر وفرة، وقوة الحوسبة الهائلة.
لكن هل ينطبق الأمر نفسه على التنبؤات المتعلقة بالاضطرابات السياسية والاقتصادية التي يتسبب بها البشر؟ يمكن أن تكون الإجابة: نعم، فلدينا أدوات أفضل من أي وقت مضى لاستخلاص المعلومات المهمة من بين الضجيج، حتى مع ازدياد تقلبات المناخ الجيوسياسي.
ويقول أنتوني فينشي، ضابط المخابرات الأمريكية السابق، وخبير الشؤون الدولية، ومؤلف كتاب «الثورة الرابعة للاستخبارات»: «يحدث الذكاء الاصطناعي طفرة حقيقية في مجال التنبؤ بالأحداث. وعندما أنظر إلى العالم الآن، لم أعد أثق برأيي الشخصي تجاه ما يحدث، وأصبحت أعتمد على أداة للذكاء الاصطناعي لتساعدني».
ووفقاً لفينشي، هناك أربع طرق لمحاولة تقييم احتمالية وقوع الأحداث المستقبلية، حيث هناك عدد قليل من المتنبئين البشريين الذين يملكون قدرة فائقة على التحليل المتميز.
كذلك هناك إمكانية للاستفادة من الذكاء الجماعي لمنظمة ما، مثل وكالة المخابرات المركزية أو شركة معروفة لاستشارات المخاطر السياسية. ويمكن الاستفادة من الحكمة الجماعية للجماهير بأسواق المراهنات التنبؤية، مثل بولي ماركت وكالشي، لكن ينبغي الانتباه إلى أن هذه الأسواق قابلة للتلاعب. وأخيراً، يمكن لنموذج ذكاء اصطناعي مدرَّب تحليل هذه المصادر الثلاثة واستخراج رؤى إضافية من البيانات المتوفرة.
وتُعد شركة فيكو تكنولوجيز، حيث يعمل فينشي، محرك تنبؤ ومحاكاة وتقييم للسيناريوهات مدعوماً بالذكاء الاصطناعي، وهي واحدة من عدة شركات تسعى للتوسع في هذا المجال عبر الجمع بين قوة نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية، وإطار بشري مميز، لغربلة كميات هائلة من البيانات لتقييم احتمالية وقوع أحداث مستقبلية وآثارها الثانوية. ويمكن لهذه التنبؤات أن تكون مفيدة للمستثمرين والشركات والحكومات.
ومن أبرز ما قامت به شركة فيكو تكنولوجيز أخيراً تنبؤها بالهجوم الأمريكي على إيران، ففي 19 فبراير وضع نموذج فيكو احتمالية وقوع الهجوم بنسبة 89 % قبل 31 مارس، مقارنة باحتمالية 63.5 % على منصة بولي ماركت، وبدأ الهجوم بالفعل في 28 فبراير الماضي.
وتقول الشركة إن «مؤشر براير» لديها، الذي يقيس دقة وموثوقية التنبؤات، هو أكثر دقة من جميع المتنبئين البشريين باستثناء أفضلهم.
ويتمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه هذا النوع من النماذج التنبؤية في إمكانية «تلوث» البيانات المدخلة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، وغالباً ما يكون ذلك مقصوداً، فيما يسمى بـ«تلاعب نماذج اللغة الكبيرة»، حيث تحاول جهات نافذة التأثير في مدخلات ومخرجات هذه النماذج. كما أن الاستخدام المتزايد للبيانات الاصطناعية، التي يُنشئها الذكاء الاصطناعي، قد يُفسد هذه النماذج، وفي أسوأ الأحوال قد يؤدي ذلك إلى «اضطراب الالتهام الذاتي للنموذج»، حيث تبتلع نماذج اللغة الكبيرة مخرجاتها وتنهار في نهاية المطاف.
وترى كاريسا فيليز، أستاذة الفلسفة بجامعة أكسفورد، أنه يجب دائماً النظر إلى البيانات بصفتها نتاجاً بشرياً. وتوضح بالقول: «نحن نصنع مرآة ونوجهها لتعكس شيئاً ما، ولذلك فهي لا تعكس العالم بأسره. ومن الواضح أن ننسى باستمرار أن الخريطة ليست هي الواقع». ويمكن استغلال أسواق التنبؤ، أحياناً، من قبل المطلعين، كما يمكن أن تتعرض لمحاولات تلاعب لاحقة. كذلك فإنه لم يتم اختبار قدرة نماذج التنبؤ القائمة على الذكاء الاصطناعي على الصمود على المدى الطويل.