مارتن ساندبو
أصدر مركز أبحاث السياسات الاقتصادية ومشروع «مستقبل العمل المصرفي» التابع لكلية إدارة الأعمال «آي إي إس إي»، مؤخراً، تقريراً يتناول الوضع الراهن للعملات الرقمية، ويتوقع تطوراتها المستقبلية وأولوياتها السياسية.
وتتعلق أهم الأسئلة التي تُثيرها العملات الرقمية ببنية النظام النقدي: من يُصدر النقود؟ وما الضمانات التي توفر بموجبها الثقة في المطالبات النقدية؟ وكيف تُحفظ السيولة خلال فترات الأزمات؟ وكيف تُوزّع العوائد والمخاطر المرتبطة بإصدار النقود بين السلطات العامة والوسطاء من القطاع الخاص؟
ومن الواضح أن عامة الناس، بل إن جزءاً كبيراً من المجتمع السياسي لا يدركون مدى خطورة الوضع، فتراجع استخدام النقد يجب أن يحظى بأهمية خاصة، حيث يقلل من عائدات إصدار العملة العامة بتحويل الريع إلى وسطاء من القطاع الخاص.
وقد يُضعف الخصوصية، إذ تترك المعاملات الرقمية عادة «آثاراً بياناتية» يُمكن رصدها واستغلالها أو إساءة استخدامها، وقد تضعف وحدة العملة إذا انتشرت أدوات خاصة جديدة في أنظمة مغلقة أو فقدت مصداقيتها تحت الضغط، كما قد يقلل ذلك من المرونة في ظل زيادة الاعتماد على البنى التحتية الرقمية الخاصة المعرضة للانقطاعات والتهديدات الإلكترونية والإقصاء أو السلوك الاستراتيجي من جانب مقدمي الخدمات المهيمنين.
وأخيراً قد يُعرّض ذلك الدول للتبعية الخارجية في ظل اعتماد أنشطة الدفع المحلية على منصات خاضعة لسيطرة أجنبية أو أدوات بالعملات الأجنبية، لذلك لا يمكن اعتبار تراجع استخدام النقد مجرد تغيير سطحي في عادات الدفع، بل هو تحول هيكلي في التوازن بين القطاعين العام والخاص في النظام النقدي.
والنظام النقدي المعاصر ذو مستويين، حيث تُصدر البنوك المركزية النقود العامة، بينما تنشئ البنوك التجارية معظم النقود المستخدمة في المعاملات اليومية، من خلال إصدار ودائع مرتبطة بالإقراض، وغالباً ما ينظر إلى هذا الهيكل على أنه طبيعي، مع أنه في الواقع تسوية مؤسسية مشروطة تاريخياً. وتأتي الرقمنة لتطرح التساؤل حول ما إذا كان هذا التقسيم للعمل بين القطاعين العام والخاص لا يزال مرغوباً فيه.
إنني لست متأكداً من أن التقرير يقدم إجابة واضحة لهذا السؤال، لكنه يشدد على ضرورة بقاء البنوك المركزية في صميم النظام النقدي، ويستعرض نقاشاً واسعاً حول كيفية تصميم عملة رقمية صادرة عن البنك المركزي لمعالجة المشكلات المزمنة في النظام الحالي، كما يُقدم عرضاً وافياً لمخاطر وفرص «الترميز».
وتوحي مناقشات التقرير للودائع المصرفية المُرمّزة - وهي «عملات رقمية تُصدرها البنوك المرخصة العادية،وتمثل ببساطة الودائع التقليدية بالميل لتفضيل الإبقاء على النظام ذي المستويين كما هو تقريباً، وفقط توسيعه ليشمل إمكانيات تكنولوجية جديدة.
وقد يكون ارتباط الودائع المُرمّزة الوثيق بالنظام التنظيمي الحالي سبباً في جعلها حلاً أفضل من العملات المستقرة، ومنحها ميزة طويلة الأجل، تُرجّح فوزها في هذه المنافسة، لكن من غير الحكمة الاعتماد على ذلك في مواجهة هيمنة العملات المستقرة، التي تشهد حالياً أسرع نمو في النشاط، فهي تستفيد من إمكانية ترسيخ هيمنة الرواد بفضل تأثيرات الشبكة - كما رأينا في تقنيات رقمية أخرى - ومن هدف السياسة الواضح للحكومة الأمريكية المتمثل في السيطرة على الاقتصاد النقدي العالمي من خلال الترويج للعملات المستقرة المقومة بالدولار الأمريكي.
ويشكل هذا الأمر تحدياً خاصاً للاتحاد الأوروبي، حسبما تؤكد ورقة بحثية، أعدها مركز بروجيل للأبحاث لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي.
ويشير مؤلفو الورقة إلى أنه في حين أن حيازات العملات المستقرة عالمياً مقومة بالدولار الأمريكي بشكل كبير فإن أكثر من ثلث معاملات العملات المستقرة في عام 2025 كانت أوروبية، لذلك فإن إمكانية قيام الاتحاد الأوروبي بترميز العملات المستقرة تلوح بقوة في الأفق، لكن اليورو الرقمي المزمع إصداره، وهو عملة رقمية للبنك المركزي مخصصة للأفراد، سيخضع لحدود صارمة للغاية فيما يتعلق بحيازته، ولن يُسمح له أيضاً بدفع فوائد لحامليه.
بعبارة أخرى يبدو أن الهدف هو تمكين البنوك من الهيمنة على الاقتصاد المالي المُرمّز من خلال الودائع المُرمّزة.
وإذا لم يسمح تنظيم الاتحاد الأوروبي بتلبية طلب الاتحاد الأوروبي على العملات المستقرة، من خلال عملات خاضعة لتنظيم الاتحاد الأوروبي، فسيندفع هذا الطلب إلى الخارج.
قد تكون العملات الخاضعة لتنظيم الاتحاد الأوروبي آمنة، ولكنها قد تفقد أهميتها أيضاً.
ويمكن لاحتفاظ سكان الاتحاد الأوروبي بالعملات المستقرة خارج الاتحاد الأوروبي أن يُعرّض الاتحاد الأوروبي لمخاطر أكبر.
ويكمن الخطر الكبير الذي لا يحظى باهتمام كافٍ في أن المشاركين الماليين الأوروبيين سيتجهون بشكل متزايد نحو استخدام البنية التحتية المالية المرتبطة بالولايات المتحدة لإجراء المعاملات الرقمية أو المُرمّزة.
ومن المعروف أنه بمجرد أن يصبح أصل معين شائع الاستخدام وسيلة رئيسية للتسوية أو أصلاً رئيسياً للضمان أو التمويل بالهامش فإن المنصات وصناع السوق وأنظمة إدارة المخاطر ستتواءم معه، ولذلك إذا أصبحت العملات المستقرة المقومة بالدولار الأمريكي هي أصل التسوية الافتراضي للأوراق المالية المُرمّزة، وتطبيقات السيولة عبر المنصات والتمويل اللامركزي المرتبطة بأوروبا، فستتواءم البنى التحتية الرقمية تدريجياً مع الأعراف القائمة على الدولار. وهو ما يمكن أن نطلق عليه اسم «دولرة البنية التحتية».
ولتجنب ذلك يجب على الاتحاد الأوروبي وضع هدف لتهيئة بيئة مواتية للعملات المستقرة الصادرة عنه، وهو ما يعني إلغاء شرط الاحتفاظ بالودائع المصرفية (بدلاً من الأصول الآمنة الأخرى)، ومنحها إمكانية الوصول إلى تسهيلات السيولة، التي يوفرها البنك المركزي، وتخفيف حدود الاحتفاظ ومتطلبات رأس المال، والأهم من ذلك، لا بد من مضاعفة الجهود المبذولة حالياً - الجيدة جداً من قبل البنك المركزي الأوروبي لجعل احتياطيات البنك المركزي متاحة عملة تسوية نهائية بالجملة للتمويل المُرمّز.
عموماً، في الوقت الراهن، يواجه مشروع اليورو الرقمي خطراً متزايداً بأن يصبح غير كافٍ ومتأخراً جداً، والحقيقة المؤسفة - المُضمّنة في التقريرين- هي أن الاتحاد الأوروبي، على عكس الولايات المتحدة والصين، لم يتمكن بعد من صياغة نهج استراتيجي لتصميم النظام النقدي، يستند إلى الأولويات الجيوسياسية، وإذا كان القادة الأوروبيون يرددون مجرد كلمات جوفاء عند الحديث عن «الاستقلال الاستراتيجي» فإن الوقت سينفد لتغيير ذلك.