بقلم: محمد العريان

عندما بدأت مسيرتي المهنية في الاقتصاد، ثم في مجال التمويل، كان تحليل مصادر واستخدامات الأموال بمثابة ركيزة أساسية. وسواء أكان الأمر يتعلق بتقييم ميزان مدفوعات دولة ما، أو بتقييم كيفية تلبية الأسواق لاحتياجات الدول والشركات، كان من الضروري الحفاظ على فهم دقيق للعرض والطلب على رأس المال.

وقد ساعد ذلك في تحديد الاختلالات الهيكلية قبل أن تؤدي إلى اضطرابات في السوق، مما مكّن من إجراء تعديلات على السياسات والمحافظ الاستثمارية. لكن هذا النهج جرى تهميشه لفترة طويلة في ظل وفرة السيولة.

وفي الفترة التي سبقت الأزمة المالية العالمية 2007 - 2008، عملت أسواق رأس المال كمصانع سيولة وائتمان على نطاق واسع، حيث قدمت موجات متتالية من التمويل دفعت بالرافعة المالية والديون إلى مستويات غير مستدامة.

وعندما انهار هذا النظام حلّت محله فترة طويلة من التوسع غير المسبوق في ميزانيات البنوك المركزية، مع خفض أسعار الفائدة إلى أدنى مستوياتها. وحتى عندما وصل هذا النظام إلى نقطة الاصطدام مع جدار التضخم، عادت السيولة الداخلية للقطاع الخاص بقوة.

لذلك، أعتقد أن هذا الواقع المتغير يستدعي الآن العودة إلى مبدأ «مصادر واستخدامات رأس المال» للحد من الآثار السلبية للاختلالات الكبيرة بين العرض والطلب العالميين على رأس المال. وكلما تأخر إقرار المشاركين في السوق وصناع السياسات بضرورة هذا التحول، ازداد خطر اضطراب التسعير وضعف أداء السوق.

ووصول صدمة الطلب بات يحدث بسرعة ملحوظة، بما في ذلك الاكتتاب العام الأولي لشركة «سبيس إكس» الأسبوع الماضي. ويُعد هذا الاكتتاب الضخم جزءاً من تحول هيكلي مستمر نحو جمع كميات غير مسبوقة من رؤوس الأموال، وهذا التحول لا يزال يكتسب زخماً، حيث ستنضم قريباً إلى شركة إيلون ماسك شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» بتقييمات خيالية.

وبالنظر إلى سباق التسلح التكنولوجي المحتدم، قد تُثبت هذه التمويلات الضخمة أنها مجرد ضخ لرأس المال في مراحل مبكرة نسبياً، مع جولات تمويل أخرى لازمة ستتبعها. كما أنها تتصدر مجموعة كبيرة من عمليات جمع رؤوس الأموال الأصغر حجمًا والتي تركز على التكنولوجيا.

ويأتي ذلك كله في وقت تسعى فيه الحكومات في جميع أنحاء العالم المتقدم إلى تأمين التمويل اللازم لسد العجز الهيكلي الكبير في الميزانيات، وزيادة الإنفاق الدفاعي، وإعادة تمويل الديون المستحقة بأسعار فائدة أعلى بكثير.

ومن المرجح أيضاً أن تزيد الشركات من أنشطتها في أسواق رأس المال، مع العلم بأن إعادة توجيه شركة ما نحو الذكاء الاصطناعي ليست بالأمر الهين.

ونظرًا لأن التداعيات التنافسية بالغة الأهمية بحيث لا يمكن تجاهلها، فإن عدداً متزايداً من الشركات غير التقنية يحد نفسه مندفعاً إلى خطط الإنفاق الرأسمالي بدافع الخوف من تفويت الفرصة.

إن مواءمة كل هذا الطلب المتزايد مع عرض رأس المال بتكلفة معقولة أمر أكثر تعقيداً مما يبدو. وبينما من المرجّح وجود بعض التمويل الحكومي، إلا أن حجمه الإجمالي سيظل محدود بسبب ارتفاع الديون والعجز الكبير لدى الحكومات.

ويمتلك المستثمرون المؤسسيون سيولة نقدية جاهزة، لكن طليعة رأس المال العالمي الموثوقة - وتحديداً صناديق الثروة السيادية من الخليج - ستواجه أولويات متغيرة على المدى القريب.

وأمام هذه المشكلات المتعلقة بالعرض، يسعى المصرفيون الاستثماريون إلى جذب استثمارات الأفراد. ويتضح هذا جلياً في كيفية تحديد اكتتاب شركة سبيس إكس وتسريع مزودي المؤشرات تحركاتهم لإدراجها.

ويُعدّ هذا جزءاً من رغبة أوسع في القطاع لتوسيع قنوات الاستثمار للأفراد لتشمل مجالات كانت حكراً على المؤسسات، مثل الائتمان الخاص. وهناك من يصور الأمر بأنه توسيع لنطاق فرص الاستثمار للجميع.

لكن هناك قلقاً من استغلال الأفراد كـ«مستثمرين ضعفاء» يُستعان بهم لتمكين المستثمرين الأكثر خبرة من تحقيق أرباح طائلة بتقييمات عالية. ويمكن لكلا الطرفين الاستناد إلى سوابق تاريخية لتبرير موقفه.

هناك أيضاً مسألة إعادة التوزيع: فهل سيقوم المستثمرون الأفراد والمؤسسات بتصفية بعض حيازاتهم لإفساح المجال لإصدارات جديدة؟ ولا ينبغي تجاهل هذا الاحتمال، فهو مؤشر على ظاهرة أوسع نطاقاً تتمثل في «الاحتيال على هذا لسداد المال لذاك»، والتي لا تمثل مجرد إعادة توزيع لرأس المال، بل يعد أيضاً اقتراضاً من المستقبل لتمويل الحاضر.

وفي ظلّ حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي، يتم استنزاف احتياطيات قطاعات عديدة من الاقتصاد العالمي. ويبدأ هذا بالاستنزاف المستمر لمخزونات الطاقة، ويمتدّ إلى تضاؤل مدخرات الأسر، وتزايد أعباء الائتمان الاستهلاكي، وارتفاع مديونية الشركات والميزانيات السيادية.

إنه رغم الإعجاب بقدرة أسواق رأس المال على تمويل المقترضين بمبالغ متزايدة باستمرار، فلا ينبغي إغفال خطر حدوث أزمة رأس مال في نهاية المطاف. ومن الطبيعي أنه إذا لم يتوسع المعروض من التمويل طويل الأجل لتلبية الطلب المتعدد الجوانب.

فسيرتفع سعر رأس المال هيكليًا، وهو ما يكشف هشاشة القطاعات ذات الرافعة المالية العالية. في هذا السياق، سيصبح مبدأ «مصادر التمويل واستخداماته»، الذي طال إهماله، جزءاً من الخط الفاصل بين مرونة السوق والاضطراب النظامي.