يترأس كيفن وارش اليوم وغداً أول اجتماع له لتحديد أسعار الفائدة بصفته رئيساً جديداً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. ويحظى الاجتماع باهتمام عالمي كبير لأنه على مدى السنوات الأربع المقبلة، ستؤثر قرارات وارش على رأس أهم بنك مركزي في العالم ليس فقط على الأوضاع الاقتصادية، بل أيضاً على التوجه المستقبلي داخل أمريكا وخارجها.

وخالف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقوداً من التقاليد الراسخة بهجماته الحادة على الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي جيروم باول لعدم خفضه أسعار الفائدة.

وخلال جلسة الاستماع أمام الكونغرس لتثبيته، وُجهت إلى وارش أسئلة كثيرة حول ولائه لترامب. الآن، وقد أصبح رئيساً، فقد باتت لديه الفرصة لإثبات جدارته. وعليه أن يختار استقرار السوق على المدى الطويل على حساب الاعتبارات السياسية قصيرة الأجل.

وفي الظروف العادية، كان قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع ليمر مرور الكرام. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة أرقاماً قوية في سوق العمل، وارتفع معدل التضخم السنوي لمؤشر أسعار المستهلك إلى 4.2% في مايو، وهو أعلى مستوى له في ثلاث سنوات.

سيكون من الحكمة أن يصوّت وارش مع أغلبية مجلس الإدارة، لصالح الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير بدلاً من خفضها، لأن ذلك يُعدّ التفسير الأكثر منطقية للبيانات، ولأنه سيُشير كذلك إلى التزامه باستقلالية المؤسسة. وسيُحدد اجتماع هذا الأسبوع والمؤتمر الصحفي في نهايته ما تتوقعه الأسواق من فترة ولايته.

ويملك وارش القدرة ولديه الالتزام بالتصرف باستقلالية، لأنه حتى لو اختلف مع الرئيس الأمريكي، فسيكون من الصعب للغاية عزله من منصبه، وهو ما أظهرته الحملات الفاشلة ضد محافظ الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك ورئيس المجلس جيروم باول.

إذن، ما الذي يُمكن توقعه من كيفن وارش؟ لقد أبرزت تصريحاته خلال العام الماضي الآثار المتوقعة للذكاء الاصطناعي على خفض التضخم. وأظهرت تفضيله لخفض أسعار الفائدة.

كان هذا التوجه بمثابة الموسيقى لأذن ترامب، لكن وارش قد يُغيّر موقفه. وربما كان موقفه السابق تكتيكياً، لتسهيل وصوله وحصوله على الوظيفة المرموقة.

لقد عرف عن وارش التشدد والتساهل في آنٍ واحد، ففي عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، عُرف وارش بمواقفه المتشددة، إذ دافع عن رفع أسعار الفائدة في أعقاب الأزمة المالية العالمية مباشرةً، وانتقد مشتريات الاحتياطي الفيدرالي من السندات والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.

وخلال ولاية ترامب الأولى، ومع انخفاض البطالة إلى مستويات قياسية، عارض وارش، إلى جانب صاحب عمله السابق ستانلي دراكنميلر، تشديد السياسة النقدية.

وعندما خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة في عهد الرئيس جو بايدن في سبتمبر 2024 بعد انخفاض التضخم، وصف وارش القرار بأنه «محير». وهذا ما يُشير إلى تحيز حزبي مثير للقلق.

لذلك، من الأهمية بمكان ألا تتأثر فترة رئاسته للاحتياطي الفيدرالي بمثل هذه الميول الحزبية. ومع ذلك، فإنه حتى لو حرص على تحقيق التوازن في قراراته، فسيواجه وارش طريقًا صعبًا للغاية.

فقد كانت مخاطر التضخم تلوح في الأفق حتى قبل صدمة النفط بسبب الحرب في منطقة الشرق الأوسط؛ كما يُمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي إلى زيادة البطالة أو حتى إلى انهيار الطلب.

وقد صرّح كذلك وارش بأنه يُؤيد تقليص ميزانية الاحتياطي الفيدرالي البالغة 6.7 تريليونات دولار. لكن التشديد الكمي يُنذر بأزمة سيولة، وقد يكون تنفيذه صعبًا، في ظل حالة عدم الاستقرار التي تُخيّم على أسواق سندات الخزانة الأمريكية.

وأشارت تقارير إلى أن وارش، المنتقد كثيراً للتوجيهات الاستباقية، يدرس إلغاء «مخطط النقاط» الخاص بالاحتياطي الفيدرالي، والذي يُشير إلى آراء المسؤولين بشأن مسار سعر الفائدة.

وقد يُتيح هذا التغيير مرونة أكبر في السياسة النقدية، إلا أنه يحمل مخاطر تقليل الشفافية. والأهم كثيرا هو أنه يتعين على وارش إظهار الاستقرار والحياد في أوقات مضطربة بدرجة كبيرة.

في كل الأحوال، سيُحكم على فترة ولاية وارش من خلال صدى الأسواق، لا من خلال المقالات والتحليلات. وقد انتقد لجان الاحتياطي الفيدرالي السابقة لتركيزها المفرط على البيانات المتأخرة، وعدم تركيزها الكافي على بناء مصداقية المؤسسة. والآن، ستكون المصداقية بين يديه، فإما أن يعززها أو يفقدها بالمرة.