مارتن ساندبو

قبل عشر سنوات، قرر البريطانيون مغادرة الاتحاد الأوروبي، وبعد الاستفتاء بفترة وجيزة، أتذكر أنني كتبتُ ما يلي: «لن يكون للمملكة المتحدة مقعد على طاولة صنع سياسات أوروبا، لكنها ستظل تحت رحمة نفس الخيارات كما كانت من قبل. ولذلك، أتوقع أنه في غضون عقد من الزمان، سيتضح هذا الموقف العاجز بشكل مؤلم. وقد تُجبر المملكة المتحدة على العودة إلى الاتحاد الأوروبي».

الآن، وقد مرت السنوات العشر، أعود لأؤكد على توقعاتي. فقد أصبحت السلبيات «واضحة بشكل مؤلم» بمجرد انتهاء الفترة الانتقالية في عام 2021: ومنذ ذلك الحين، باتت أغلبية البريطانيين تكرر باستمرار أن المغادرة كانت خطأ.

وقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة «يوغوف» أن الناخبين اليوم منقسمون بنسبة 57% مقابل 30% حول هذا السؤال (أي بنسبة تقارب اثنين إلى واحد عند استبعاد من لم يُدلوا بإجابة). وتشير نسب مماثلة، ثابتة منذ ثلاث سنوات، إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان فاشلاً وأنهم يرغبون في الانضمام إلى الاتحاد.

إن المملكة المتحدة تخضع بلا شك لخيارات الاتحاد الأوروبي. وصحيح أن خروجها من الاتحاد أعاد إليها بعض الصلاحيات الرسمية، وقد استخدمتها بشكل ملحوظ في التجارة - لكن لم يكن لذلك أثر يُذكر.

كما أنها استعارت قدراً هائلاً من لوائح الاتحاد الأوروبي بشكل كامل إلى قوانينها المحلية. وقد سنّت الحكومة الحالية تشريعات لما يُعرف بالتوافق الديناميكي مع قوانين الاتحاد الأوروبي المتغيرة في بعض المجالات.

علاوة على ذلك، فإنه في بعض المجالات التي تتمتع بسيادة نظرية، يبقى نطاق الاختلاف الفعلي عن الاتحاد الأوروبي محدوداً، نظراً لتقارب المصالح والتهديدات المشتركة التي تواجهها، مثل التهديد الروسي.

ولذلك، تُساير المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي في معظم جوانب العقوبات، وتسعى إلى دمج صناعتها الدفاعية مع نظيراتها في بقية القارة، كما يتضح من جهودها للتأهل لبرامج الإنفاق الدفاعي للاتحاد الأوروبي وقواعد «الشراء الأوروبي».

ومن اللافت للنظر أن الحكومة البريطانية اقترحت مؤخراً إنشاء سوق موحدة للسلع بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أن الاتحاد الأوروبي رفض هذا المقترح.

ويُعيد ذلك إلى الأذهان ما حدث قبل ثماني سنوات من جهود من جانب رئيسة الوزراء آنذاك، تيريزا ماي. ومع كل الاضطرابات التي شهدتها تلك الفترة، انتهت حكومتان مختلفتان تماماً إلى تحقيق الهدف نفسه، دون أي نجاح يُذكر.

وثمة درس يُستفاد من ذلك كله: إذا تم التوصل إلى النتيجة نفسها بغض النظر عن المنطلق السياسي، فإن ذلك يمثل انعكاساً واضحاً لخصائص جوهرية لاقتصاد بريطانيا وجغرافيتها. ويعني تجاوز مجرد مواءمة قواعد المنتجات.

- كما هو الحال في «النموذج السويسري» أو المنطقة الاقتصادية الأوروبية (على غرار النرويج) - الخضوع لقواعد الاتحاد الأوروبي في مجالات أوسع بكثير، من الخدمات إلى حركة الأفراد. وقد ترضى الدول الأصغر بهذا القدر من التبعية، لكن من غير المتصور أن ترضى به المملكة المتحدة.

لقد اتضح مرتين أن حد التكامل يكمن في توافق تام مع قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمنتجات، واتحاد جمركي فعلي. وبما أن الاتحاد الأوروبي لا يزال غير راغب في تقديم هذا، فإن القمة الوشيكة - التي لم تُحسم بعد لن تُسفر إلا عن تكامل محدود، وستكون المكاسب هامشية لكلا الجانبين.

ويخطئ الاتحاد الأوروبي في مقاومته لسوق موحدة للسلع، إذ سيكون ذلك وسيلة لتوسيع نطاق صلاحياته التشريعية خارج حدوده، وتحسين قدرته على إنشاء سلاسل إمداد أوروبية.

كما أنه سيقدم نموذجاً أكثر جاذبية بكثير مما هو معروض حالياً للدول غير الأوروبية التي تُفضل الانضمام إلى أوروبا بدلاً من الصين أو الولايات المتحدة في عالم تتنافس فيه القوى العظمى.

لكن في الوقت الراهن، لا تزال بروكسل والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عالقة في مخاوفها القديمة من انتقاء وتقسيم «الحريات الأربع» بطريقة قد تُغري المزيد من الدول الأعضاء بالانسحاب.

وتظهر نظرة سريعة على المنطقة أن هذا القلق لم يعد مبرراً، إن كان كذلك أصلاً. فالدول التي تتمتع بالفعل بتكامل كامل في السلع - مثل أيسلندا وليختنشتاين والنرويج وسويسرا - لطالما سعت إلى أكثر من ذلك. أما الدول التي لم يحن موعد انضمامها الكامل بعد - باستثناء بريطانيا - فقد سعت إلى أكثر من ذلك.

وحتى الآن، لا يبدو أن أفق العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي على المدى المتوسط يحمل سوى وجهتين. الأولى هي وضع لا يختلف كثيراً عن الوضع الراهن، مع قدر أكبر من التوافق والتكامل. أما الثانية فهي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ونظراً لاستياء الكثير من البريطانيين من الوضع الراهن، فأنا أتمسك بالجزء الثاني من التوقعات التي أطلقتها قبل عشر سنوات، والذي يتمثل في أن المسار السياسي الوحيد القادر على تغيير الرأي العام، وإعادة توجيه السياسة البريطانية للخروج من ركودها الحالي، وتحقيق نقلة نوعية إيجابية للاقتصاد، هو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقد تكون هذه الفرصة الأخيرة لرئيس الوزراء لاستعادة مكانته في الساحة السياسية.