ولا تزال البنوك المركزية تعاني من آثار صدمة الطاقة الأخيرة التي أعقبت اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022. حينها، قللت هذه البنوك من شأن استمرار التضخم المحتمل، ما أدى إلى رفع أسعار الفائدة متأخراً جداً.
ونشأت تلك الأخطاء من التقليل من شأن قوة الصدمة ومدتها، وسرعة تعافي الطلب مقارنة بالعرض بعد جائحة كوفيد19. وبالاستفادة من هذه الدروس، ثمة أسباب وجيهة لتوقع استمرار التضخم لفترة أقصر هذه المرة.
فالصدمة في قطاع الطاقة أقل حدة. وعلى عكس تداعيات الجائحة، فإن الطلب منخفض نسبياً وأسواق العمل هشة، ما يقلل من خطر حدوث آثار ثانوية.
قد تبدو استراتيجية السياسة النقدية القائمة على «الترقب والانتظار» منطقية، على الأقل حتى ظهور دلائل على حدوث آثار ثانوية. ومع ذلك، فإن البنوك المركزية، بفعلها هذا، معرضة لخطر تكرار خطئها السابق المتمثل في التدخل المتأخر وغير الكافي - وإن كان ذلك لأسباب مختلفة.
فقد أدى عدم إدراك ترابط ليمان براذرز في سلاسل الائتمان العالمية، ودوره كمركز مالي، إلى تداعيات أكبر بكثير من المتوقع عند انهيار البنك. كما عمل ليمان براذرز كأداة تنسيق لتوقعات المستثمرين بشأن الاستقرار المالي. وبمجرد اختلال هذا الاستقرار، تضخم عدم الاستقرار ليتحول إلى أول أزمة مالية عالمية حقيقية في العالم.
فإن التداعيات التضخمية الناجمة عن الصدمات التي تصيب مراكز التوريد الرئيسية يتم التقليل بشكل كبير من شأنها، ما يؤدي إلى تضخم التضخم وزيادة استمراريته.
نشهد بالفعل تأثير هذه الضغوط على التضخم، إذ ترتفع أسعار السلع في مختلف البلدان وعلى نطاق واسع. ولمدة ثلاثة أشهر، وعلى أساس سنوي ترتفع أسعار المنتجين بنسبة تتراوح بين 10 و20 % في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.
وفي الولايات المتحدة، وصل معدل التضخم في قطاع التكنولوجيا إلى 20% سنوياً. ويلمس كثيرون هذه الضغوط الآن في مراحل لاحقة من سلسلة التوريد، حيث ترتفع أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومنطقة اليورو بوتيرة أسرع بكثير من المستهدف.
ولأن مضيق هرمز يعد مركزاً رئيسياً للإمدادات العالمية، فإن الصدمات التي يتعرض لها تؤدي إلى تزامن توقعات تحديد الأسعار والأجور، ما يجعل خطر حدوث تداعيات ثانوية أعلى مما كان عليه في عام 2022، وذلك رغم ضعف الطلب.
أما توقعات المستهلكين فقد شهدت تغيرات أقل حتى الآن، لكنها لا تزال هشة. ويتطلب تجنب تصاعد هذه التوقعات تشديداً استباقياً للسياسة النقدية.
وبالنسبة للمستهلكين والشركات، ينذر ذلك بخطر استمرار الضغوط على تكلفة المعيشة وممارسة الأعمال، ما يضعف الطلب. وبالنسبة للسياسيين، ينذر ذلك بخطر تفاقم السخط الشعبي على مستويات المعيشة.
لذلك، فإن تكرار هذا الخطأ سيظهرها بمظهر المهمل ويهدد مصداقيتها. وهذا يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لكبح جماح التضخم قبل أن يفلت من قبضتها مرة أخرى.